الاقتصاد الامريكى مأزوم والفاتورة
ندفعها نحن
أوروبا تتهم أمريكا بافتعال الأزمات
الواقع السياسى العربى يبدو مستعدا إلى درجة كبيرة
لاستقبال متغيرات سياسية واق تصادية واجتماعية متلاحقة
على المنطقة العربية بدءا بالعراق ومرورا بدول الخليج
العربى والأردن والسودان والمغرب العربى وصولا إلى كل
مكان.
وفى الوقت الذي انقلب العرب على أنفسهم فراحوا
يكيلون الاتهامات إلى بعضهم البعض ويطلقون السهام على
الجامعة العربية الكيان ا لوحيد الذي لا يزال يضمهم جميع ا.
تفرغت القوى الدولية الغربية لصياغة سياسات وإجراءات
مالية واقتصادية وقانونية أصبحت جاهزة الآن لفرضها على
العرب بطريقة الصدمة الاقتصادية والترويع العسكرى
والبديل الليبرالى الجاهز لمن يقبل بالركوب فى الدرجة
الخامسة ( مع الحقائب ) فى قاطرة الرأسمالية الصهيونية
الشرسة التى انطلقت تجوس العالم وتخضع دوله لتحقيق
الحلم الماسونى القديم وإنشاء حكومة عالمية موحدة تحكم
الكون.
لا يختلف اثنان فى أن هنرى ك يسنجر أستاذ
الدبلوماسية الليبرالية هوالمرجع للقيادات الأمريكية طوال
أربعين عاما ماضية.. قد عرض الكثير من الأفكار.
ومن أفكاره ظهرت استراتيجي ة " قطع الدومني و " فى
السياسة الخارجية لكل دول أوروبا والتى تقوم على تماثل
رفعة قطع الدومنيو المتلاصقة مع النظم السياسية المتجاورة
فى منطقة جغرافية واحدة فإذا دفعت أحدى القطع بقوة فإنها
تدفع المجاور لها فى شكل موجه متسارعة تؤدى فى النهاية
إلى سقوط كل القطع بسهولة وانهيار النظام الذي كانت
متراصة فيه وهذا ما يريدون تطبيقه فى المنطقة العربية بعد
سقوط بغداد التى أصبحت لقمة من دون معوقات أو مقاومة
أو مخاطر تذكر.
وكما توقعنا فإن الحالة العراقية ستكون حقل تجارب
تختبر فيها القوى السياسية والطوائف والفئات الاجتماعية
لتنفيذ السيناريوهات المعدة سلفا والتى بدأ تنفيذها فى العراق
ودول المنطقة.
إن الهدف هو السيطرة الكاملة والاستفادة اللا محدودة
واللا مشروطة من المقومات الاقتصادية والجغرافية لصالح
الولايات المتحدة الأمريك ية أولا ومن تريده شريكا لها فى
مكانة أقل من الحلفاء الغربيين.
ولكن.. ما هو حال أمريكا المنتصرة وأوروبا
المتحالفة معها بعد الحرب على العراق؟
كانت القاعدة التى أثبتت نجاحها طوال القرن الماضى
( العشرين ) تقول" إن انتصار العسكرى ينعش الاقتصاديات
المحلية والدولية للمنتصرين، وقد تحقق ذلك مع انتصارات
بريطانيا العظمى التى كانت لا تغرب عنها الشم س .. وفى
انتصار ألمانيا فى الثلاثينات ( تجربة هتل ر ) وأيضا مع
انتصارات السوفييت فى دول أوروبا الشرقية ثم فى
انتصارات الغرب وأمريكا على السوف ييت فى أفريقيا وفى
أوروبا خلال الثما نينيات ولكن يبدو أن هذه القاعدة سوف
تختلف اليوم فى نتائجها ومضمونها حيث يبدو الانتصار
العسكرى السريع الذي حققته بريطانيا وأمريكا فى العراق لن
يسفرعن انتعاش اقتصادي؟
ففى وقت قريب أصدر صندوق النقد الدولى توقعا
اقتصاديا خاصا يؤك د " إن الوضع سيئ فى أمريك ا حيث لن
يزيد نمو الاقتصاد الأمريكى عن ٢,٢ % خلال هذا العام
٢٠٠٣ وهو أقل من العام الماضى بما يعنى بطالة أكبر فى
أمريكا تصل إلى ٦,٢ %. أما الوضع فى أوروبا واليابان
فهو الأسوأ حيث سيزيد النمو الاوروبى ١,٣ % فقط
و ٠,٨ % لليابان..!! ويؤكد الخبير الأمريكى فى الاقتص  اد
روبرت جيه صامويلسون أن هذه التوقعات متفائلة جدا
والمؤكد أن أزمة اقتصادية تهدد الاقتصاديات الليبرالية
الغربية التى بدت نذرها فى الأفق مع انهيار سوق الأسهم
المستمر وثقل أعباء الدين للبنوك وتراكم الفائض الصناعى.
وإذا أخذنا تصريحات المستشار الألمانى شرودر بأن
اقتصاد ألمانيا سوف يحقق تقدما طفيفا عن معدل العام
الماضى بل حذر من استقالته إذا لم يوافق الألمان على
برنامجه الإصلاحى وتحذيرات وزراء الاقتصاد والمالية فى
الاتحاد الأوروبى من أن أزمة الثقة لدى المستهلكين فى
توجهات وأهداف صانعى السياسة تؤثر بالسلب على ال ح ركة
الاقتصادية فنحن أمام حالة عكسية لنتائج الحرب لدى
القوتين المنتصرتين وهو ما يؤكد أن أمريكا وبريطانيا
المنتصرتين، فى الحرب ضد العراق سوف تندفعان بسرعة
إلى تنشيط اقتصادياتهما اعتمادا على أسواق خارجية وتأتى
المنطقة العربية لتكون المرشح الأول لتصريف منتج ات
مخزونة وإنتاج متوقع لمختلف السلع فى أوروبا وأمريكا
ومصدرا مضمونا للمواد الخام ونتصور هنا أن تصبح الدول
العربية هدفا أوليا لفرض سياسات تصديرية واستيرادية من
أمريكا وأوروبا واليابان والصين ودول غرب آسيا وفق ما
تسمح به مصالح أمريكا والنظرة الاقتصادية الأمر يكية للدول
العربية تتطابق مع النظرة الأوروبية لها فإذا أخذنا نموذجا
لما يحدث فى العراق بعد سقوط نظام صدام حسين فإننا
نرصد الحقائق التالية:
١- الإصرار الأمريكى السريع على رفع العقوبات الدولية
( الحصار الاقتصادى) المفروض على العراق منذ
عام ١٩٩٢ من قبل الأمم الم تحدة وجاء فى المذكرة
الأمريكية " أن تقوم اللجنة الاستشارية الأمريكية
البريطانية بقيادة جاى جارنر بإدارة شئون العرا ق "
وهو ما يعنى أن ترفع العقوبات من دون وجود
حكومة عراقية تعبر عن الشعب العراقى وفرض
الوصاية الأمريكية كأمر واقع على العراق عبر
الاحتلال العسكرى المباشر لها ( راجع نماذج
الوصاية البريطانية على الدول المحتلة طوال القرن
العشرين ).
٢- ما زالت فرنسا تقود أوروبا بقوة نحو اتخاذ موقف
موحد ضد أمريكا وهو ما يبدو فى تحركات فرنسا
وألمانيا الاقتصادية وفرنسا تعطى فرصة لتجربة
أمريكا فى الواقع العراقى ومدى التزامه ا بمبدأ اقتسام
التورتة العراقية مع الحلفاء الغربيين قبل أن توافق
على الوصاية الأمريكية الكاملة على العراق وبعدها
المنطقة.. وكأن المجتمع الدولى قد وافق بالفعل على
فكرة احتلال أمريكا للعراق فى زمن لا يقبل فيه أحد
الاحتلال ولا توافق عليه الشرعية الدولية ولا ا لعقلية
الليبرالية الحرة التى تكونت مفاهيمها الجديدة طوال
العشرين عاما الماضية على رفض الاحتلال.
٣- الوضوح الأمريكى قبل الحرب وفى أثنائها وبعدها فى
إعلان الرئيسالامريكى بوش:" العراق سوف تدفع ثمن
الحملة العسكرية ضدها وتكلفة القتال وتكلفة الأعمار
اعتمادا على بتر و ل العراق " هى المرة الأولى فى
التاريخ التى نرى فيها صراحة هذا التعسف من
المحتل ضد شعب حين صادرت أمريكا من كل دول
العالم الأموال والوادئع العراقية واستولت عليها وهو
ما يعنى أن المتوقع من احتياطات النفط لدى العراق
سيتم استنفادها عن أخرها مع السيطرة الأمريكي ة
الكاملة واستمرار الاحتلال طوال النصف قرن القادم
على الأقل.
٤- ظهرت فى الأفق نوعية جديدة من الكارتيل الإقليمى
(تكتل شركات عالمية فى منطقة بعينها فى العالم
ومنع الشركات العالمية الأخرى من دخوله ا) تحتكر
العمل فى أعمار العراق مدعومة بمؤسسات مالية
أمريكية وأوروبية هو ما ينفى تماما فكرة حرية
التجارة والصناعة القائمة على حرية الحكومات
الإقليمية فى التعاقد مع الأفضل والأرخص والتى
تنهار الآن فى العراق وهو استمرار للوضع القائم
بالفعل فى الجزائر طوال فترة الاستقلال هناك كما
نجد نماذج فى دول شرق أفريقيا (جيبوتي) يسيطر
عليها نوعية أحادية الجنسية من الشركات الأوروبية
والانسحاب الذي أعلن عنه ثم نفيه لمجموعة شركات
بترولية من السوق السعودية يأتى فى إطار صراع
الكارتيل.
الفاتورة جاهزة للعرب
ولو صدقت توقعاتنا فإن الأزمة الاقتصادية التى بدأت
نذرها فى أوروبا وأمريكا وسهلت الحالة العراقية والعربية
الضعيفة لها الحصول على مخارج سريعة وربما دائمة
سوف تسعى إلى:
١- إبرام اتفاقيات اقتصادية تقوم على مبدأ الأولوية
والسيادة الكاملة للسلع الأمريكية تقدمها أمريكا بنفسها
أو عبر صندوق النقد والبنك الدوليين إلى الدول
العربية وهو ما يترتب عليها فر ض السلع الأمريكية
– بالتأكيد من المستوى التسويقى الثالث المتدنى فى
الجودة - فى إطار امتيا ز " السلع التفضيلي ة " على
أسواق الدول التى ستضغط عليها أمريكا لتوقيع تلك
الاتفاقيات ونتصور أن العلاقة الاقتصادية ستقوم على
فكرة أن تصدر لنا أمريك ا- أو من تسمح له – سلعا
متعددة فى مقابل احتكارها لاستخراج وتسويق المواد
الخام (البترول والمعادن الرئيسي ة ) بالسعر الذي
تحدده.
ونتصور أن هذه الاتفاقيات سوف تفرض قريب ا (فى
نهاية صيف ٣٠٠٢ ) اعتمادا على تصريحات وزير
التجارة الخارجية الأمريكى الذي حرص فى مطلع
مايو ٢٠٠٣ على لقاء رجال أعمال وقادة اقتصاديين
فى الاتحاد الأوروبى وأعلن بوضوح أنه يحمل قائمة
بالاتفاقيات التى سيبرمها فى منطقة الشرق الأوسط
لتنمية الاقتصاديات الإقليمية والاقتصاد العالمى؟!
٢- تتطابق الرؤية السياسية لإدارة العراق القادمة مع
المصالح الاقتصادية الغربية اعتمادا على الخريطة
الوظيفية لمنطقة الشرق الأوسط التى نشرت على عدة
حيث وضعت "fox" و "viou" مواقع من الانترنيت، منه ا
توصيفات على دوائر أربع فى المنطقة العربية كانت
الأولى حول دول الخليج ومنها العراق وكتب
عليها"مواد خام" ثم دائرة على تركيا وجزء من الدول
جنوب الاتحاد السو فيتى وكتب عليه ا" تخزين " ودائرة
على المنطقة التى تقع فيه ا مصر والسودان وكتب
عليها" مواد غذائية وعمالة رخيصة للخدمة " ونتصور
أن هذا هو مفهوم التسويق والإنتاج والإدارة
الاقتصادية المدروسة فى المرحلة القادم ة .. ومن ثم
فإن مرتكزات الاتفاقيات الاقتصادية التى تطب خ الآن
على المائدة الأوروبية ويصنعها طباخ أمريكي لا يقبل
النقاش سوف تدخل كل المقومات الاقتصادية
للمشروع الاقتصادى بما فيها العمالة ضمن منظومة
المصلحة الليبرالية والإنتاج فى المنطقة العربية
بوصفها مرتعا لأمريكا والغرب.
٣- لن تجد الدول العربية بدائل كثيرة أمامه ا لمواجهة
الاتفاقيات القادمة حيث ضعف الاقتصاديات وتعثر
النمو المستقل وتراجع عوامل التوحد العربى
الاقتصادى رغم المحاولات المضنية التى بذلت
مؤخرا من خلال الجامعة العربي ة .. ولو صحت هذه
التوقعات فإن الدول العربية (فى أحسن الحالا ت )
ستفرض عليها حالة أشبه بما كان يحدث فى مصر
فى نهاية القرن التاسع عشر من وجود مراقبين
(إنجليزى وفرنسى) للخزانة المصرية فى نهاية عصر
إسماعيل باشا لضمان تسديد الديون المستحقة وما
ترتب عليه من أثار سلبية يعلمها الجمي ع .. ولكن هذه
المرة سيطلق عليهم مستشارون!
٤- يبدو أن بترول العراق وحده لا يكف ى لسداد فاتورة
التراجع فى النمو الاقتصادى الغربى ومن ثم فإن
المنطقة العربية سوف تشارك فى دفع الفاتورة – كل
بطريقته – ونتصور هنا أن بعض الأنظمة العربية
ستوافق على كل م ا يقدم لها وهو ما سيطرح حالة من
انتقاص السيادة الوطنية للدولة والحكومة بطرق غير
مباشرة مع م ا يترتب من مشاكل بالجملة على
المستوى الاجتماعى والسياسى والثقافى والحضارى
للدول العربية المستقلة.
ديموقراطية الأقليات الأضعف
نتصور أن الولايات المتحدة الأمريكية التى ضربت
الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلنطى فى مقتل يوم غزت
الصرب عام ١٩٩٨ من دون موافقة دولية ثم ذهبت لاحتلال
العراق فى وضح النهار وخرجت من حربها السريعة ( ٣
أسابيع) بجروح طفيفة ومأزق سريع أنقذها من  ه الحلفاء
الغربيين – حتى الآن – سوف تكون ضربتها القادمة إلغاء
اتفاقية التجارة الحرة أو فى أحسن الأحوال تنفيذها وفق
المصالح الأمريكية فقط.
وأن النموذج ال س ياسى الديمقواطى الذي حمله مع  ه
للعراق المحتل الجنرال العسكر ى "جاى جارنر" ومن بعده
الحاكم السياسى"بريمر" يقوم على فكر ة " ديموقراطية
الأقليات الأضعف" بمعنى أنه ينظر للحكومة القادمة – لو
امتد بنا العمر لنراه ا- يتساوى فيها الآشوريون (أقلية
صغيرة لا تزيد عن ٢٥٠ الف من سكان العرا ق ) مع الشيعة
٦٠ % والسنة ٢٥ % والأكراد ٩% وخليط من ١٢ أقلية
أخرى لا يزيد عددها عن ٦% من السكان على الأرض
.( حاليا (راجع مؤتمر لندن للمعارضة العراقية ٢٠٠١
ويرى بريمر الحاكم العراقى أن الحكومة التمثيلية
سوف تحل المشكلة والحقيقة أن مفهوم الديمو قراطية
الليبرالية الذى يتفق مع الشرعية الدولية وحقوق الإنسان
وتعريف معاهد ومراكز كبرى لنشر الديموقراطية فى العالم
يؤكد أن هذا النوع من الحكومات التمثيلية يتناقض مع
الليبرالية ويضرب مفهوم الحرية والتساوى بين البشر ونؤكد
أن الديموقراطية هى فى حرية الفرد فى م م ارسة كامل
للحقوق السياسية عبر صناديق الاقتراع التى تأتى بمن يريده
الناخبون .....
بل إن تجربة الحكومات التمثيلية للأعراق أو
الطوائف كانت سببا فى اشتعال الحروب الأهلية فى أفريقيا
طوال النصف قرن الماض ى . كما حدث فى الصومال وكوت
ديفوار وروندا وبروندى والكونغ و .. وهذه الدول لم يستقر
بعضها إلا بعد استبعاد حالة الحكومة التمثيلية مؤخرا ....
ومن ثم فإننا نرى أن وصف ة " بريمر" غير ديموقراطية ولا
تنتمى لمفاهيم الحرية الليبرالية وحقوق الإنسان التى نعرفها
ونؤمن بها وإنما هى خدعة كبرى ظاهرها الرحمة وباطنها
العذاب..
ونتصور أن ما أعلنه جارنر وبجانبه الطلبانى
والبرزانى فى شمال العراق ثم أكد عليه فى مؤتمر
المعارضة المصنوعة بالناصرية فى أبريل ٢٠٠٣ هو الذي
سيقدم قريبا للمنطقة العربية وستجد الحكومات العربية نفسها
فجأة مطالبة بتحقيق ديموقراطية الأقليات وإلا تنطلق
الاتهامات المحفوظة تتهمنا بالدكتاتورية وتجاوزات حقوق
الإنسان!!!!ويشتعل العنف !!!.
والذى لا شك فيه أن الحكومة التمثيلية المزمع
إنشاؤها فى العراق سوف تفتح شهية الداخل والخارج لإثارة
الخلافات الداخلية بين فئات المجتمع الواحد ونعتقد هنا أن
العرب سيكونون أقلية بالتأكيد فى دول ا لخليج العربية التى
يقيم على أرضها أغلبية كاسحة من السكان الباكستا نيين
والهنود والفلبيبيين لسنوات طويلة وهم فى عرف القانون
الدولى مواطنون!!
وكما توقعنا فإن الحكومة المؤقتة فى العراق سوف
تكون بداية التقسيم لها إلى ثلاث دويلات تمارس الحكومات
فيها مفهوم الإدا ر ة أو السلطة من دون صلاحيات على
الإطلاق " النموذج الفلسطينى الحال ى " وهو ما سيؤدى إلى
حالات صراع داخلى لا ينتهى و ستجهض فيه كل مقومات
مقاومة المستعمر المحتل للعراق وتستنزف فى صراعات
عرقية وطائفية – ندعو الله ألا يتحقق ذلك – ونعتقد أن
مفهوم حكومة الأقليات وم ا ترتب عليه من مخاطر يصب فى
النهاية فى تحقيق المصلحة الأمريكية فى الهيمنة على
المنطقة العربية لفترات زمنية طويلة قادم ة " ٦٠ عاما فى
نموذج العراق" وتختفى معه كل آمال التنمية المستقلة مع
العالم فى إطار التعايش السلمى..
وسوف يفرض الأمر الواقع مع تقسيم الدول الع ر بية
إلى دويلات محكومة اقتصاديا وممزقة سياسيا معطيات
جديدة على المستوى الدولى منها..
١- اختفاء عدد كبير من دول العال م " العربى بصفة خاص ة
" من على خارطة الدول المستقلة المكونة للأمم
المتحدة وهو ما يتوافق مع تصريحات أمريكية كثيرة
رصدناها فى التسعي نيات تشكو من وج و د عدد كبير
من الدول فى الأمم المتحد ة " ١٩١ دولة " وتدعو إلى
تقليل العدد بما يحقق سرعة اتخاذ القرارات فى
الجمعية العامة " انظر تصريحات مندوبى أمريكا فى
الأمم المتحدة خلال فترتىالرئيس كلينتون".
٢- يزداد الوزن النسبي للدولة التى تمارس الحماي ة " عبر
الاحتلال " على عدد كبير من دول العالم على
المستويين السياسى والاقتصادى بما يحقق إحكام
قبضة عدد قليل من الدول فى أمريكا وأوروبا على
مصير شعوب دول العالم بأسرها (راجع التصورات
الماسونية لسيطرة مجموعة ال ١٣ على العالم ).
٣- تتفشى الأمراض والأوبئة والصراعات فى الدويلات
التى تحكمها حكومات الأقليات والحكومات التمثيلية
ويفتقد شعوبها الأمل فى المستقبل وتزداد حالات
الموت الجماعى وتدمير البشرية وهو ما عبر عنه
أحد أعضاء الكونجرس من الجمهوريين فى حوارات
لجنة المستقبل أمري ك ى قائلا " إنها شعوب لا تستحق
الحياة ولا يجب أن نساعدها لأنهم يش اركونا فى
الأوكسوجين ويهددون حياتن ا " ( راجع محاضر لجن ة
خبراء من الكونجرس والسيناتور حو ل مستقبل أمريكا
.( عام ١٩٩٢
ومن جهة أخرى بدت الجامعة العربية ضعيفة
ومنزعجة وتدافع عن نفسها بتفعيل العلاقة بين مؤسسات
الجامعة القائمة ونظائرها فى أوروبا معولة على أن تنجح
هذه المؤسسات فى فرض واقع جديد نتصور أنه يعوق
الهيمنة الرسمية الأمريكية الأوروبية على مجرى الأحداث
فى المرحلة القادمة ولكن الجامعة العربية أسيرة الحكومات
منفذة لقراراتها بل تتعطل رواتب الجامعة كثيرا إذا ما
غضبت أحدى الدول على الجامعة ورفضت دفع حصتها
المالية" شهدنا ذلك خلال عهد د . عصمت عبد المجيد وأكده
السيد عمرو موسى مؤخرا".
ونعتقد أن الدول العربية والجامعة أضاعوا فرصة
ثمينة فى آخر اجتماع قمة عربى نهاية فبراير ٢٠٠٣ عندما
بدو فى أسوأ حال أمام الدول الأوروبية التى طالبتهم باتخاذ
موقف ضد العدوان الأمريكى على ال ع راق ولو كانوا فهموا
الرسالة لحدث شئ آخ ر .. لكنهم للأسف يقول البعض شيئا
ويفعلون الكثير ضده فى الظلام.
الليبراليون الحقيقيون يرفضون
السيناريوهات السياسية التى نراها أمامنا على مائدة
الرسميين فى أمريكا التى يحكمها اليمين الصهيونى المتطرف
رافعا مخادعا لواء ا لمسيحية والمدعوم من بعض حكومات
أوروبا إما بالمشاركة الكاملة أو بالصمت وترقب النتائج مع
الحرص على عدم ترك الفر ص ... هذه السيناريوهات تواجه
مخاطر بالجملة فى التطبيق خلال المرحلة الحالية وفى
المستقبل وهو ما يه د د المشروع الامريكى الاستعمارى كله
بالفشل ويرجع ذلك الى :
١- ما يشهده المجتمع الغربى الليبرالى الآن من انهيار
الثقة فى دوافع السياسة الأمريكية وقدراتها على
إنجاز المشروع الذ ي تروج له للهيمنة على العالم
حيث تتعارض التصرفات الامريكية تعارضا حادا
مع الإيمان الليبرالى المتحمس للعولمة والذي ساد
فى التسعينيات والذى يقوم على قبول الآخر
والمشاركة بين الأقوى والأضعف وحماية البيئة
وحقوق الإنسان والتعاونيات من أجل علاج التصح ر
والفقر بالتعليم الحرفى والديمقراطية بديلا عن
التدخل المباشر فى حياة الشعو ب .. وهذا الانهيار فى
الثقة أدى إلى ظهور معارضة حادة من الشعوب
والمؤسسات ورجال الأعمال والبنوك وج م اعات
الضغط للنموذج اليمينى الصهيونى المتطرف الذي
تتحمس له الحكومة الأمريكية وتفرضه الآن بقوة.
٢- انعكس عدم الإحساس بالثقة فى من يقودون
المجتمعات الليبرالية على خوف الشركات والأسر
فتعثر الاقتصاد منتظرا ما سيحدث وهو ما ينعكس
بالضرورة على سوق العمل ومستوى الدخ ل .
وجميعها عوامل تتحكم بقوة فى صوت الناخب
الليبرالى الذي نتصور أنه سيتخلص من معظم القادة
الذين ساروا فى الطريق الخطأ وهو ما بدأ فى
بريطانيا التى تعارض استمرار تونى بلير وفى
أسبانيا التى أجبرت إيزنار على التقاعد واعتزال
الحياة السياسية.
٣- التوتر السياسى الناتج عن إضعاف مؤسسة الأمم
المتحدة وحلف الأطلسى والاتحاد الأوروبى وآليات
التجارة العالمية لصالح الهيمنة الأمريكية الأحادية
مع تنامى العملاق الصينى المتعاون مع كوريا
الشمالية وروسيا وربما بعض الدول الأوربية سوف
يؤدى إلى تصادم سريع بين المعس  كرين الشرقى
والغربى خصوصا وإن المستهدف كبداية لمشروع
الهيمنة الأمريكية ه و احتلال المنطقة العربية بما
تحويه من مقومات الطاقة، السوق، المواد الأولية،
الممرات الحيوية، التراث الثقافى والفكرى للبشرية.
٤- إعلان روسيا وفرنسا وبلجيكا وألمانيا عن تعاونهم
لتطوير نظام دفاعى مشتر ك ( لو قام بالفعل )
مرشح للانضمام له عدد كبير من دول أوروبا سوف
يتغير معه شكل وحجم القوى الفاعلة عسكريا فى
العالم. وقد جاء الاستطلاع الذي أجرته مفوضية
الأمم المتحدة بين المواطنين فى الإتحاد الأوروبى
ليؤكد ان ٥٨ % من الأوروبيين يعتقدون أن دولة
إسرائيل هى الخطر الأول على استقرار العال م ليشير
بوضوح الى أن الشعوب تعرف جيدا من وراء
مؤامرة تدمير العالم ورفض اوروبا لإسرائيل يعنى
مواجهة جديدة ومستمرة بين اوروبا وأمريكا الحليف
الدائم للصهاينة.
٥- نمو أشكال متعددة للمقاومة أبرزها منظمة تحرير
العراق التى صدر ب يانها الأول مؤخرا تعلن الحرب
على الاحتلال وبيان حزب البعث الأو ل بعد
الاحتلال فى ذكرى ميلاد صدام حسين الذي أعلن
أن المقاومة ستكون عنيفة وبيان لجنة المائتين من
العلماء المسلمين من مختلف الدول العربية الذين
أعلنوا قيام جبهة ضد العدوان الصهيونى الأمريكى
الذي يستهدف الأمة الإسلامية وأشكا ً لا أخرى
للمقاومة فى طريقها للظهور على الساحتين العربية
والدولية ستساهم فى إزعاج من يتحمسون لفكرة
تكرار التاريخ الاستعمارى مرة أخرى على العالم
(راجع خطاب الشيخ حسن نصر الله فى أربعينية
.( الحسين بلبنان فى صيف ٢٠٠٣
٦- لا ينكر أحد أن النظم العربية الحاكمة لديها من
عوامل القوة وتماسك المصالح بين فئات اجتماعية
بعينها إلى جانب قو ة الأجهزة الأمنية و المؤسسات
الرسمية فى العديد من الدول العربية خصوصا فى
قطاعات الدفاع والأمن ووجود قوى شعبية يفترض
أنه كل هذه القوى ستقاوم بشدة فكرة التفتيت للد و لة
كما أن الكثير من الأقليات الطائفية أو العرقية
ترفض التعاون مع الأجنبى تحت كل الظروف
استنادا إلى خبرة سلبية مع الم س تعمر لا تزال ناصعة
فى عقول الأجيال العربية التى عايشت الاحتلال
وقاومته حتى تحقق الاستقلال الوطنى خصوصا وأن
سنوات الاستقلال عن الاستعمار لا تتجاوز ٣٠ عاما
فى بعض الدول العربية المسقلة حديثا مث ل كل من
قطر والبحرين والإمارات وجيبوتى وجزر القمر
وموريتانيا كما إنها لا تتجاوز ٤٥ عاما فى المغرب
والجزائر وليبيا وتونس واليم ن . وأقدم الدول العربية
استقلالا لا يزيد عمر استقلالها عن ٧٠ عاما إذن
نحن أمام أجيال عايشت مأساة الاحتلال ولا نتصور
أنهم يقبلونه مهما اختلفت صورته وسيبتدعون
وسائل جديدة للمقاومة تتوافق مع عالم تداول
المعلومات والمعرفة وتعدد أشكال التأثير فى
القرارات على المستويات المحلية والإقليمية
والدولية.
وإذا ما صدقت رؤيتنا فإننا مقبلون على حالة م  ن
التفاعلات الضخمة فى العراق أولا وفى المنطقة العربية كلها
خلال شهور قليلة ونعتقد أن عناصر المقاومة للهيمنة
الأحادية القادمة سوف تلعب فيها الشعوب فى الغرب
والشرق قبل الحكومات دورا كبيرا يقلب معظم الموازي ن ..
ندعوا الله للعالم بالسلامة.

0 التعليقات:

Post a Comment

شاهد ايضا