أنا حاييم وايزمن
ولِد ُ ت في ٢٤ نوفمبر (تشرين الثاني) سنة ١٨٧٤ ، في قرية صغيرة من
ولم يكن أحد في قريتنا الصغيرة .(Motol) قرى روسيا، اسمها موتول
الفقيرة يتخيل أنني بعد أربعة وسبعين عاما من هذا التاريخ، سأكون أول
رئيس لدولة إسرائيل.
كان والدي يعمل في تجارة الأخشاب في موتول، ويحقِّق من تجارته عائدا
يكفي احتياجاتنا. لكننا لم نكن نشعر بالسعادة، في تلك القرية الموحشة البعيدة
عن العمران، فلا طرق، ولا بريد، ولا مواصلات . والقرية نفسها لا تضم
سوى بضعة شوارع غير معبدة، كان من بينها شارعان أو ثلاثة لنا نحن
اليهود، فقد كنا نستقلّ شوارعنا الخاصة لنحمي أنفسنا من الآخرين.
وعندما بلغ ُ ت الخامسة من عمري، انتقل ُ ت من بيت أبي إلى بيت جدي،
وكان رج ً لا متدينًا يحافظ على الصلاة والفروض، وكان يقص علي قبل أن
أنام قصص الملوك اليهود وحروبهم، ويقص علي تاريخ الأنبياء وكنت أتردد في كل صباح على مدرسة لتعليم الدين اليهودي، تعلمت فيها اللغة
العبرانية، والأدب العبراني، وعرفت الكثير عن التوراة.
وقبل أن أحتفل بعيد ميلادي الثامن، سمعت أبي وكثيرين من أقربائنا
وأصدقائنا اليهود، يتحدثون عن قواني ن أصدرتها الحكومة الروسية بشأننا،
عرِفت بعد ذلك ب (قوانين مايو/ آيار). وقد أطلقت القوانين الجديدة اسم
(مناطق الاستيطان اليهودي في روسي ا) على الجهات التي كنا نقيم فيها،
وحظرت على أي يهودي أن يعيش أو يمتلك أي عقار في أي مكان آخر
غيرها.
ومع أنني لم أفهم كثيرا مما قالوه عن تلك القوانين، فإن قلق الجميع
وذعرهم واهتمامهم بالحديث عنا، كان كافيا لكي أفهم أنها أضافت إلى أعبائنا
عبئًا جديدا. وحين سافرت في عام ١٨٨٦ إلى مدينة بنسك لأكمل دراستي،
حاييم وايزمن
(١٩٥٢ – ١٨٧٤)
زعيم صهيوني.
ولد في موتول (بولندا الروسية).
عين مديرا لمختبرات سلاح البحرية
.(١٩١٨ – البريطانية ( ١٩١٦
ترأس الوفد الصهيوني إلى محا د ثة
فرساي للسلام.
ترأس المنظمة الصهيونية العالمية
بين عامي ١٩١٧ و ١٩٣٥ ، ورأس
الوكالة اليهودية لفلسطين بين عامي
. ١٩٢٥ و ١٩٤٥
كان رئيسا لمعهد وايزمن والجامعة
العبرية.
تحدث باسم اليهود في جميع لجان
التحقيق البريطانية والدولية التي
أرسلت إلى فلسطين.
انتخب رئيسا للدولة الصهيونية عام
١٩٤٩ ، وبقي في منصبه إلى أن
توفي.
كتب مذكراته عام ١٩٤٩ ، ونشرت
بعنوان (التجربة والخطأ).
بيت عائلة وايزمن في
موتول حيث ولد حاييم
35
عرفت أن اليهود فيها لم يكتفوا بالحديث، ولكنهم تحركوا لمواجهة قوانين
. مايو (آيار) ١٨٨٢
لم تكن بنسك تبعد عن موتول سوى خمسة وعشرين كيلو مترا فقط، لكن
الحركة اليهودية فيها كانت نشيطة للغاية، بعكس الحال في قريتنا الصغيرة
التي لم يكن اليهود يفعلون فيها شيئًا، سوى الالتقاء – في بيوتهم الخشبية –
للحديث والشكوى.
وكانت جمعية (عشاق صهيون) هي محور الحركة في بنس ك . وقد نشطت
بعد صدور قوانين مايو (آيار) ١٨٨٢ ، تدعو إلى (حب صهيون)، ذلك الجبل
الذي يقع جنوبي غربي القدس، والذي دفِن فيه الملك داود، وتنظِّم عمليات
الهجرة إلى فلسطين لشراء الأراضي فيها، والاستيطان هناك، فرارا من
المذابح التي ك ان اليهود يتعرضون لها في أنحاء أورب ا. وكان للجمعية أيامها
فروع في ألمانيا، والنمسا، وبريطانيا.
أثارت عملية الهجرة اليهودية السلطان العثماني عبد الحميد الثاني،
فأصدرت حكومته قانوًنا في يوليو (تموز) ١٨٨٢ ، حرم على اليهود دخول
فلسطين، فأصبح الطريق إليها صعبا، لكن عشاق صهيون نجحوا – برغم
ذلك – في الوصول إلى جبل صهيو ن . وكان اليهود في بنسك يروون همسا
مغامرات الكثيرين من أصدقائهم الذين تسللوا إلى فلسطين سرا، بمعونة
بعض القناصل الأوربيين، أو برشوة موظفي الحكومة العثمانية.
– كانت السنوات الستُّ التي قضيتها في بنس  ك – بين ١٨٨٦ و ١٨٩٢
ذات تأثير بالغ في حياتي، ففيها تابع ُ ت باهتمام مشكلتنا نحن اليهود، وتابعت
البذور الأوَلى لتأسيس حركة سياسية تواجه الاضطهاد الذي كنا نتعرض ل ه .
وفيها – أي  ضا – أحببت علم الكيمياء، وقررت أن أتخصص فيه، وأهب له
كل جهدي.
وحين أنهيت دراستي في بنسك، كان عل  ي أن أختار الجامعة التي ألتحق
بها لكي أكمل دراستي العالية، ولم يكن ذلك الاختيار عسيرا علي، فقد كنت
أكره روسيا القيصرية، وكنت معتزما منذ البداية أن أخرج منها وأتَّجه إلى
الغرب. وبالفعل ذهبت إلى ألمانيا، أقرب بلدان الغرب إلين ا. وهناك التحق ت
بالجامعة، وعملت مدرسفي مدرسة يهودية، لكي أحصل على نفقات
دراستي.
عشاق صهيون
في عام ١٨٨٢ ، أصدر المفكر
كتابا (Leo Pinsker) اليهودي ليوبنسكر
بعنوان (الانعتاق الذاتي)، ناقش فيه مشكلة
اضطهاد اليهود في أوربا الش ر قية وروسيا
القيصرية. ودعا بنسكر اليهود للهجرة إلى
فلسطين للإقامة بها، وإنشاء مستوطنات
زراعية وحرفية حتى يتخلصوا مما
يلاقونه من اضطهاد.
ولقيت الفكرة ترحيبا من مجموعة من
الشباب تقيم في مدينة أوديسا الروسية،
فأنشأوا جمعية (عشاق صهيون)، وأخذوا
يروجون لأفكار بنسكر، وينظمون عملية
هجرة اليهود الراغبين في الذهاب إلى
فلسطين.
ولما كان معظم هؤلاء اليهود من
الفقراء الذين لا يملكون نفقات السفر أو
الإقامة، انتهز المليونير اليهودي إدموند
روتشيلد الفرصة، وقام بتمويل عمليات
الهجرة الأولى، والإنفاق على إنشاء أول
أربع مستوطنات استقر بها أعضاء جمعية
عشاق صهيون.
ونظرلما كان يلاقيه يهود أوربا
الشرقية وروسيا من اضطهاد بالغ، فقد
لقيت جمعية عشاق صهيون ترحيبا من
كثيرين منهم. ولكنها لم تستطع إقناع عدد
كبير بالهجرة إلى فلسطي ن . ومع ذلك، فقد
ساعدت الجمعية أعدادا منهم للهجرة إلى
أوربا الغربية فرارا من الاضطهاد.
وتعتبر جمعية (عشاق صهيو ن ) أول
حركة منظمة لدعوة اليهود للهجرة من
بلادهم إلى فلسطين، كما أنها كانت أول
تطبيق عملي لتيار الصهيونية العملية التي
تدعو اليهود للاستيلاء على فلسطين قطعة
بعد أخرى، وهو التيار الذي اقتنع به
وايزمن وعمل على تطويره والاستمرار
فيه.
36
وفي عام ١٨٩٦ ، قرأت – وأنا في برلين – الكَُتيب الذي أصدره الصحفي
بعنوان (الدولة اليهودي ة ). (Theodor Herzl) اليهودي تيودور هرتزل
وكان هرتزل يكبرني بأربعة عشر عاما، ولم تكن مقالاته المتت الية التي
نشرها في الصحف قد لفتت أنظار كثيرين من اليهود . وحتى كتيبه الصغير
ذاك، لم يأتِ بجديد، فقد كان البحث عن حلّ لمشكلة اضطهادنا – نحن اليهود
– يشغل بال الجميع.
ومع أن الكتيب الذي أصدره قد أحدث ضجة في صفوف اليهود، فإنني لم
أتحمس له كثي  را، كما لم يتحمس له يهود روسي ا. نعم، إنه دعا إلى إنشاء
دولة لليهود، بالاتفاق بين الدول العظمى، لكنه لم يتمسك ب (فلسطين)
بالذات، مكاًنا لإقامة هذه الدولة، بل ترك لليهود أنفسهم أمر اختيار الأرض
التي يقيمون فوقها دولتهم، إذا لم ُتتِ  ح لهم الظروف أخذ فلسطي ن . كما أنه
تجاهل اللغة العبرية، أما نحن يهود الشرق، فقد كنا المبشرين بفلسطين
وباللغة العبرية، ولا شيء آخر غير فلسطين، وغير لغة اليهود، ودين اليهود،
وتقاليد اليهود.
ولم يكن كتاب هرتزل الصغير هو الذي نفع اليهود، فأهم شيء فعله كان
تحقيقه فكرة ربط يهود العالم كلهم في برلمان و احد، وكان هذا البرلمان 
المؤتمرات اليهودية التي كان هرتزل أول من دعا إليها، وأول من حّققه ا.
وكانت تلك المؤتمرات – التي تعقد كل عام، ويحضرها ممثلون عن يهود
العالم أجمع – هي البرلمان الذي ربط بين اليهود، على اختلاف بلدانهم
وتباعد ديارهم.
حاول هرتزل – في عام ١٨٩٦ – الحصول على موافقة السلطان
العثماني عبد الحميد الثاني على إنشاء دولة يهودية مستقلة في فلسطين، أو –
على الأقل – إلغاء قوانين الحد من هجرة اليهود إليها، مقابل تزويد السلطنة
بالقروض المالية. وبرغم تدهور الاقتصاد العثماني، وحاجة السلطان الشديدة
للمال، فقد رفض عروض هرتزل.
وعندما فشلت محاولات هرتزل تلك، بدأ يعد لعقد أول مؤتمر صهيون ي .
وقد انعقد المؤتمر بالفعل في ٢٩ أغسطس (آب) ١٨٩٧ ، في مدينة بازل
السويسرية، واشتركت أنا ووالدي في أعماله، وانتهى المؤتمر (Basel)
بإنشاء المنظمة الصهيونية العالمية، وانتخب هرتزل أول رئيس لها.
هرتزل وهو يغادر معبد
اليهود في بازل
تيودور هرتزل
(١٩٠٤ – ١٨٦٠)
مؤسس لصهيونية السياسية
الحديثة، وأول رئيس للمنظمة
الصهيونية العالمية.
ولد في بودابست، وعاش في
فيينا، حيث مارس المحاماة
والصحافة وتأليف القصص
والروايات.
عقد أول مؤتمر صهيوني في
. عام ١٨٩٧
أسس الصحيفة الصهيونية
الأسبوعية (دي فلت) في ألمانيا.
توفي في النمس ا. وفي عام
١٩٤٩ نقلت بقاياه إلى القدس.
كتيب الدولة اليهودية لهرتزل
3 7
وكان نجاح المؤتمر، وإنشاء المنظمة، الخطوة الأوَلى في بناء الحركة
الصهيونية التي لولاها لما استطعنا أن نحصل – أخيرا – على فلسطي ن .
والأهم من هذا كله أن هذا المؤتمر، والمؤتمرات التي َتَلْته، قد فرض
مصطلح (الصهيونية) على الحياة السياسية ل لعالم، فَلم يعد الأمر مجرد
عواطف يبديها اليهود نحو فلسطين، أو رغبة في السفر إليها للحج أو
الاستيطان، لكنه أصبح شيئًا مختلًفا تماما.
لقد نجحنا – أخيرا – في أن نقنع عددا كبيرا من اليهود بأن يكونوا
صهيونيين، يؤمنون بأنهم أينما كانوا، ومهما تأثروا ثق افيا، ومهما انتموا
سياسيا، ومهما كانوا يدينون بالولاء إلى أي دولة، فهم شعب واحد يختلف
عن بقية الشعوب . وأنهم مهما أقاموا في بلدان العالم، فهم أو ً لا وأخيرا
غرباء، ضيوف مؤّقتون، مغتربون عن بلادهم التاريخية، وعليهم أن يجمعوا
شتاتهم من جميع بقاع الأرض، وأن يعودوا إلى حيث يرقد جسد الملك داود
في جبل صِهيون.
أصبحت الصهيونية بعد هرتزل حركة سياسية، وكانت قبله أحلا  ما،
وأشعار، وعم ً لا من أعمال الإحسان، وتلك هي الأهمية العظمى للدور الذي
أداه.
لكن المسألة لم تمر هكذا بسهولة، فقد أحاطت بنا المصاعب من كل
جانب. كان هناك العرب الذين رفضوا دعوانا، بأن لنا حقوًقا تاريخية في
فلسطين. ومع أنهم لم يتنبهوا – آنذاك – لما كنا نفعل، واستقبلوا المهاجرين
اليهود الأوائل باعتبارهم لاجئين فروا مما يلاقونه من اضطهاد، فإنهم بدءوا
يتبرمون بعد ذلك . وتخ  وف السلطان عبد الح م يد الثاني من موجات الهجرة،
فمنعها. وعارض العرب حركتنا، وأنكروا حقوقنا التاريخية في أرض
فلسطين، وقالوا إن فلسطين كانت عربية مدة ألف سنة، قبل أن يدخلها
اليهود، وأن الدولة اليهودية التي أسسها الملك داود على أرض فلسطين لم
تستمر سوى أربعمائة سنة، عادت فلسط ين بعدها للعرب، ورفضوا قولنا بأن
لنا أماكن مقدسة فيها، وقالوا بأن للمسلمين وللمسيحيين – أيضا – أماكنهم
المقدسة التي حافظ عليها العرب.
وجاءت الصعوبة الرئيسية من انتشار الدعوة للاندماج بين صفوف
كثيرين من اليهود، وخاصة في بريطانيا وفرنسا. وكان هؤلاء يرون أن
جبل صهيون
اسم عبري يشير إلى الجبل الذي
يقع جنوبي غربي القدس، ويحج إليه
اليهود. ويقال إن المل ك داود قد دفن
فيه.
ويستخدم الصهاينة كلمة (صهيون)
بمعان كثيرة، فهي تشير إلى (المدينة
المقدسة)، وهي أيضا أم (إسرائيل)
التي ستصبح عاصمة العال م . ولفظ
(صهيونية) مشتق من كلمة (صهيون).
أول إصدار لجريدة "داي
فلت" التي أصدرها هرتزل
أسبوعيا من عام ١٨٩٧ إلى عام
.١٩١٤
38
المشكلة اليهودية قد نشأت أص ً لا من عزلة اليهود، وخوفهم من الاندماج
في مجتمعاتهم، وأن حل مشكلة اليهود – في كل بلد – هو أن يكونوا من
أبنائه، فاليهودي البريطاني يكون بريطانيا واليهودي الفرنسي يكون فرنسيا،
وهكذا.
وكان الاضطهاد الذي عانيناه – نحن اليهود الروس في ظل حكم
القياصرة – يدفعنا للحركة والنشاط . ووقعت أنا في مقدمة الذين تمسكوا
بفلسطين هدًفا لنا، كنت أرى أن مشكلتنا ليست البحث عن أي أرض نحتمي
فيها من الاضطهاد، لكن هدفنا هو فلسطين.
(Geneva) لكن ذلك لم يكن رأي كل اليهود الروس للأسف . وفي جنيف
– عاصمة سويسرا – حيث كنت أقيم، عرف ُ ت كثيرين من الثوريين الروس
الذين يعادون القيصرية، وناقشت لينين، كما ناقشت اليهود منهم مثل بلكنوف
وتروتسكي. وكانوا يقولون إن الاضطهاد الذي أوقعه بنا القياصرة طال كل
الأقليات في روسيا، فالمسلمون الروس قد اضطهدوا أي  ضا، وكذلك الذين
يعارضون الطغيان القيصري والحكم الفاسد . وقد عاملنا هؤلاء باحتقار شديد،
وقالوا: "إن اليهودي الروسي يجب أن يصلح وطنه . آنذاك، سيتوقف الطغيان
والاضطهاد، لأن الهروب إلى أرض شعب آخر لن يحل مشكلة اليهود، بل
سيخلق مشكلة أخرى".
المهاجرون اليهود يصلون ميناء
حيفا حيث شجعت القيادة
الصهيونية الهجرة اليهودية
الجماعية غير الشرعية إلى
فلسطين. وهذا يخل بالوعود التي
قدمتها بريطانيا إلى العرب.
39
لم أهتم بهؤلاء، برغم المشاكل التي سببوها لنا، وكنت قد أقمت في
جنيف، أحاضر طلاب جامعتها في الكيمياء، وأتابع مشروع (الجامعة
العبرية) التي حصلت على موافقة المؤتمر الصهيوني الأول لإنشائها في
القدس، لتلقِّن الأجيال اليهودية الجديدة تاريخنا وثقافتنا ولغتنا، فتحميها من
الانقراض.
لم يهتم هرتزل بكل هذا. كان ذهنه صافيا وأهدافه واضح ة . نظر إلى
الموضوع ببساطة، ففلسطين ولاية تابعة للإمبراطورية العثماني ة . تلك حقيقة
سياسية لا يمكن تجاهله ا. وإذن، فليس هناك طريق للوصول إليها لا يمر
بإستانبول.
أيامها، كانت الإمبراطورية العثمانية رجل أوربا المري ض . شاخت
وتضعضعت. نخر الفساد عظامه ا. هزت الديون استقرارها. سرى نفوذ
الأجانب في كل إدارته ا. انتزعت دول أوربا عددا كبيرا من مستعمراتها،
وتربصت لما بقي منها.
لم نكن أقوياء، فنستطيع انتزاع فلسطين من الأتراك، كما انتزع
البريطانيون مصر والسودان، فلم يب َ ق أمام هرتزل إلا أن يخوض بحر
السياسة الأوربية العاصفة، بحًثا عن دولة تريد أن تأخذ نصيبا من الرجل
الأوربي المريض، ليقنعها بأن من مصلحتها هي أن تتبنَّى قضيتنا، فتكون
فلسطين لها ولنا في نفس الوقت.
وعندما تبلورت الفكرة في ذهن هرتزل، اتصل بالسفير الألماني في فيينا،
قال له: "علمت أن الإمبراطور غليوم سيزور النمسا، وأطمع أن أقابله لكي
أعرض عليه أفكاري حول ما تكسبه ألمانيا، إذا ساعدتنا في الحصول على
فلسطين".
اعتذر السفير بأن الإمبراطور سيكون مشغو ً لا. لكنه استمع لأفكار ضيفه
باهتمام. وكان هرتزل مباشرا وصريحا، فقال للسفي ر : "إن نفوذ ألمانيا
السياسي والاقتصادي في تركيا ذو أهمية بالغة لها ولنا، فإذا استخدم هذا
النفوذ لمصلحتنا، وسمح السلطان بهجرة اليهود إلى فلسطين، وأباح لهم شراء
الأرض فيها، فسوف تربحون وجودكم في جزء مهم من الإمبراطورية
العثمانية، لا يقل في أهميته عن وجود عدوتكم التقليدية بريطانيا في الهند".
كان ذكر بريطانيا تصرًفا ذكيا، فقد كانت الدولتان مشتبكتين في صراع
عنيف حول النفوذ في العالم. واصل هرتزل طرق الحديد وهو
بلفور يفتتح الجامعة العبرية
في أبريل عام ١٩٢٥
40
ساخن، فأردف يقول: "كنت أظن أن بريطانيا هي المرشحة لتبنِّي حركتنا،
لكن إذا تقدمت ألمانيا لتفعل ذلك فسوف أر  حب أكثر، لأن معظم اليهود من
ذوي الثقافة الألمانية . ودليلي على ذلك أن الألمانية كانت اللغة الرسمية
للمؤتمرين الصهيونيين الأول والثاني".
فشل المشروع، عندما رفض السلطان عبد الحميد أي مناقشة حول ه .
والتقى هرتزل بالإمبراطور غليوم خلال زيارة قام بها العاهل الألماني
لفلسطين، فوجد حماسه لتنفيذ الفكرة قد فتر.
عاد هرتزل – مرة أخرى – للمراهنة على بريطاني ا. وكان اليهود يسببون
للسياسة البريطانية – آنذاك – صداا مزمًنا، فقد أخذت موجات الهجرة
اليهودية تتدفق عليها من روسيا، والصحف لا تك ّ ف عن ذكر المذابح التي
يرتبكها جنود ا لقيصر ضد اليهود، والأزمة الاقتصادية تأخذ بخناقها، وتجعلها
غير قادرة على تحمل مزيد من المهاجرين.
في تلك السنة ( ١٩٠٢ ) كان رئيس الوزراء هو آرثر جيمس بلفور
وتعرف هرتزل على وزير المستعمرات ، (Arthur James Balforu)
غليوم الثاني يتفقد مسجد قبة الصخرة أثناء ز يارته القدس سنة ١٨٩٨ . وقد قام بهذه الزيارة تعزيزا للعلاقات بين
ألمانيا والإمبراطورية العثمانية، وليبين للدول الأوربية الأهمية التي توليها ألمانيا لمصالحها في الشرق العربي.
غليوم الثاني
(١٩٤١ – ١٨٥٩)
اسم يطلق في المراجع العربية
على الإمبراطور الألماني (فلهم
الثاني)، أو (وليم الثاني).
زار دمشق والقدس عام
١٨٩٨ ، وأهدى ضريحا من
المرمر لقبر صلاح الدين.
صاغ سياسة ألمانيا لتكون
سياسة صداقة مع العثمانيين
والعرب، ليواجه نفوذ بقية دول
أوربا في الدولة العثمانية.
في عام ١٩٠٧ ، وقع معاهدة
صداقة وتحالف مع تركيا شاركت
فيها الإمبراطورية النمساوية،
وهي المعاهدة التي دخلت تركيا
بمقتضاها الحرب العالمية الأولى.
41
ودخل معه في ،(Joseph Chamberlain) في الوزارة جوزيف تشمبرلن
مساومة حول مطالبنا، وانتهت مناقشتهما إلى نتيجة غير سارة، إذ عرض
تشمبرلن أن تقدم لنا بريطانيا جزءا من أرض أوغندا في شرق إفريقية، لكي
نقيم عليها مقاطعة صهيونية خاضعة للتاج البريطاني، وكانت هضبة وعرة
غير صالحة للزراعة.
وأثار العرض ضجة هائلة في صفوف اليهود، هاجمه الاندماجيون
كالعادة، مكررين دعوتهم بأن يبَقى كل يهودي في وطنه، وينتمي إليه،
ويندمج فيه. أما هرتزل، فقد وقف في المؤتمر الصهيوني السادس – الذي
عقد في عام ١٩٠٣ - ليدافع عن العرض البريطاني، وقا ل : "إن بريطانيا،
وبريطانيا وحدها بين دول الأرض ، كانت هي الوحيدة التي اعترفت باليهود
أمة قائمة بنفسها ومنفصلة عن غيرها، ووافقت من حيث الفكرة على أن
اليهود جديرون بأن يكون لهم وطن ومملك ة . هذا اعتراف مهم ينبغي ألا
نرفضه أو نهدره".
كنت واثًقا أن هرتزل َقبِِل مشروع شرقي إفريقية لأنه (الممكن) الذي استطاع
التوصل إليه. وكان تخليه عن فلسطين قاسيا على نفس ه . كان قاسيا علينا جميع ا.
وكان الصراع داخل المؤتمر بين هؤلاء الذين يرون أن العرض البريطاني فرصة
لا ينبغي إهمالها، وهؤلاء الذين يقولون: فلسطين أو لا شيء.
وحين جاء الدور علي، أعطيت صوتي ضد المشروع، وأيده أبي. وقد
شحب وجه هرتزل حين وجد أن هناك تيارا قويا في المؤتمر يرفض
المشروع، ويتمسك بفلسطين دون غيره ا. ومع أن المستوطنين الأوربيين في
أوغندا قد رفضوا وجودنا معهم، فإن موقفنا أغضب الحكومة البريطانية،
وأغضب بلفور نفسه، فصرح بأن السماح لنا بدخول بريطانيا هو ش ر أكيد
للجزر البريطانية، وأصدر قوانين تحد من هجرتنا إليها.
مات هرتزل في عام ١٩٠٤ ، وترك المنظمة اليهودية مفككة ومنقسمة
على نفسها بسبب مشروع شرقي إفريقية، فالقيادة الرسمية لها تقيم في برلين،
وتواصل المفاوضات حول المشروع، في حين تزعم ُ ت – في جنيف –
الجناح الذي كان يرفضه.
في تلك السنة، قررت أن أرحل إلى بريطانيا لأقيم فيها وأعمل به ا. ولم
يكن الجو السياسي بها ملائما لنشاط واسع، فحكومة بلفور تعامل
آرثر جيمس بلفور
جوزيف تشمبرلين
(١٩١٤ – ١٨٣٦)
سياسي، ووزير بريطاني.
ولد في لندن.
انتخب عض  وا في مجلس
العموم عدة مرات.
تولى وزارة المستعمرات بين
. عامي ١٨٩٥ و ١٩٠٥
أشهر ما عرف به كممثل
للخط الاستعماري هو تحسين
علاقة بريطانيا بمستعمراتها، بما
يحقق لها فوائد دفاعية وتجارية
أكبر. وتطبيًقا لهذا المبدأ الذي
عرف (بتوحيد الإمبراطوري ة )
أو (سياسة التفضيل
الإمبراطوري)، كان اقتراحه
بإعطاء أوغندا للحركة الصهيونية.


اليهود ببرود، بسبب رفض المشرو ع . وجاء موت هرتزل وانقسام المنظمة
ليهبط بدرجة هذا البرود إلى الصفر.
لم أيأس. كان الدرس الأساسي الذي تعلمته من هرتزل هو أن أتحدث مع
الجميع عما يريدونه، قبل أن أتحدث عما أريد أنا، وأن أقنعهم بأن إعطاء
فلسطين لنا هو أمر لمصلحتهم قبل أن يكون لمصلحتن ا. كان عل  ي أن أفهم
الكثير م  ما يجري في بحر السياسة الدولية المليء بالدوامات، وأن تظل عين ي
على الصراع بين دول أوربا حول ممتلكات رجلها المري ض : تركيا. وكنت
واثًقا منذ البداية بشيئين:
الأول: أن إقامة دولة صهيونية – في فلسطين – لن يتحقق دون معاونة
الحكومة البريطانية وبالتحالف معها.
الثاني: أن بريطانيا ستحقق هذا الهدف، ولن تكف عن تقديم عروض جديدة
لنا، والمهم أن نتمسك بفلسطين، وأن نرفض أي عرض سواها.
ولم يكن الأمر في حاجة إلى ذكاء كبير لكي ندرك – نحن
اليهود – أن البريطانيين يشعرون برعب شديد من إنشاء دولة عربية موحدة
تضم مصر وفلسطين وبقية أنحاء الشام، فتهدد طرق المواصلات بين
بريطانيا ومستعمراتها وتك  رر تجربة محمد علي الذي أنشأ دولة عربية، دفع
الأوربيون ثمًنا باه ً ظا من دمائهم وأموالهم حتى استطاعوا تحطيمه ا. وكنت
واثًقا أن البريطانيين سيقتنعون – في النهاية – بألا حل أمامهم غير إعطائنا
فلسطين، لتكون دولتنا على أرضها حائ ً لا بريا تمنع تكرار تجربة محمد عل ي
المريرة، فتحفظ لهم مصالحهم في المنطقة، وتحمي أهم طرق المواصلات
وأكثرها حيوية لهم: قناة السويس.
البريطانية، وجدت (Manchester) وحين وصلت إلى المدينة مانشستر
الجو السياسي حول مطالب اليهود أ قل برودا مما توقعت، وتأملت المصانع
الضخمة التي تحو ل القطن المصري إلى غزل ونسيج، فزادت ثقتي بأن
بريطانيا ستساعدنا على تحقيق أهدافنا، فوجودنا في فلسطين سيضمن إمداد
تلك المصانع بالقطن المصري الذي لم تكن تستطيع أن تعيش بدونه.
وهو عالم ،(Charles Dreyfus) في مانشستر تعرفت بشارل دريفوس
كيميائي يهودي، يرأس مصانع كيميائية في الم د ينة، ينشط من أجل مطالب
اليهود، ويرأس الجمعية الصهيونية بها، وكان من أنصار قبول
محمد علي الكبير
(١٨٤٩ – ١٧٦٩)
مؤسس أول دولة في مصر.
ولد في مدينة قولة بألبانيا.
، تولى حكم مصر عام ١٨٠٥
وقضى على المماليك عام
.١٨١١
قاد أبناؤه الحملات العسكرية
لفتح شبه الجزيرة العربية
. والسودان عام ١٨٢٠
قاد ابنه وخليفته إبراهيم باشا
الحملات العسكرية ضد السلطان
العثماني في قونية، ونال ولاية
سورية.
انتصر على السلطان
العثماني في معركة نصيبين عام
١٨٣٩ ، واستولى على الأسطول
العثماني، مما هدد بسقط
الإمبراطورية العثمانية وتعريض
التوازن الأوربي للخلل.
تحالف ضده – سياسيا
وعسكريا – روسيا القيصرية
وفرنسا وبريطانيا، وأجبروه على
، توقيع معاهدة لندن عام ١٨٤١
وتنازل فيها عن فتوحاته.
44
مشروع شرقي إفريقية الذي عرضته علينا بريطاني ا. وبرغم أنني كنت
ضد الفكرة، فقد ربطت الصداقة بيني وبين شارل دريفوس، لكن الاحترام
والتقدير الذي تبادلناه لم يؤثر في رأيي، ولم تف لح مناقشات دريفوس في
إقناعي برأيه.
وكان دريفوس على علاقة وثيقة باللورد بلفور رئيس الوزراء البريطاني،
فمانشستر هي دائرة بلفور الانتخابية، عاد إليها بعد أن استقالت وزارته،
ليخوض معركة انتخابية جديدة، وكان دريفوس يراه كل يوم، فهو ساعده
الأيمن في المعركة.
فكر دريفوس في أن يستعين باللورد بلفور لكي يحولني عن موقفي من
مشروع شرقي إفريقية، فرتَّب لي موعدا لكي ألقاه.
وعندما دخلت المقر الانتخابي لبلفور في فندق الملكة بمنطقة بيكاديللي،
وجدته مزدح  ما بالوفود التي جاءت لتناقش معه بعض أمور المعركة
الانتخابية، فأيقنت أ نني لن أستطيع البقاء معه على انفراد أكثر من عدة
دقائق.
* دولة محمد على
وايزمن في جنيف عام ١٩٠١
يتوسط عددا من زعماء
الصهيونية
منزل وايزمن في مانشتسر
45
استقبلني بلفور في غرفة واسعة من الطراز القديم، وجلس ومد ساقيه إلى
الأمام، وبادرني بالسؤال، قائ ً لا: "لماذا رفض بعض الصهاينة العرض ال ذ ي
قدمته بريطانيا لهم بإقامة دولة يهودية في أوغندا، على الرغم من أن
الحكومة البريطانية كانت جادة ومخلصة في عمل شيء لرفع الظلم عن
اليهود".
ومع أن معرفتي باللغة الإنجليزية لم تكن كافية، فقد اندفعت في الحديث
عن الحركة الصهيونية كحركة سياسية ودينية، حتى ظننت أن بلفور قد برِم
الحديث، وأصابه الملل . لكنني فوجئت بأنه يستفسر مني لمعرفة المزيد عن
الحركة الصهيونية، وأهدافها، ورجالها، ودوافعهم.
وتشجعت وأوضحت له أن الحركة الصهيونية في رأيي حركة سياسية
قومية، ولكنها لها – أي  ضا – جانبا روحيا، وأنه لن يكتب النجاح للحركة
الصهيونية السياسية إلا إذا عني الصهاينة بهذا الجانب الروحي، و أن الحركة
الصهيونية إذا تخّلت عن فلسطين فسوف تفشل، وأنه لو ُفرِض أن بعِث النبي
موسى ثانية، وسمع ما يقوله قِّلة من اليهود عن إقامة دولة صهيونية في
أوغندا، لح ّ طم الألواح (*) ثانية، كما حطمها عندما عاد وشاهد بني إسرائيل
يعبدون العِ  جل.
وختمت حديثي سائ ً لا بلفور: "ماذا تفعل يا سيدي لو قدم الناس إليك باريس
بد ً لا من لندن؟ ". فأجاب بلفور من الفو ر : "تذ ّ كر أن لندن في أيدينا، أما
فلسطين فليست في حوزتنا أو حوزتك م ". استغرقت مقابلتي لبلفور ساعتين،
بد ً لا من عدة دقائق كما كان مقَّدرا لها من قبل، وقد علق بلفور على هذه
المقابلة فيما بعد، فقال : "لقد زارني اليوم شاب يهودي روسي، وتحدث إلي
حديًثا كان له أعظم وقع في نفسي".
انتهت مقابلتي الأولى مع اللورد بلفور دون نتيجة محددة، لكنها أصبحت
واحدة من العلامات البارزة في حياتي، فقد كانت سنة ١٩٠٦ هي السنة التي
اعتزمت أن أوقِف فيها حياتي على الصهيونية، كما أصبحت واحدة من أهم
العلامات في حياة اليهود، لأنها كانت أول لقاء فتح الباب أمامه حصولنا على
وعد بلفور.
مضت سنوات طويلة قبل أن ألتقي مرة ثانية باللورد بلفور، فقد فشل
حزب المحافظين البريطاني – وكان بلفور من أقطابه – في المعركة
وايزمن مع بلفور في فلسطين
١٩٢٥
( * ) الألواح: هي التي سجل
عليها موسى النبي الوصايا
العشر.
حزب المحافظين البريطاني
حزب سياسي بريطان ي .
عرف بهذا الاسم منذ عام
.١٨٣٠
كان يمثل طبقة كبار الملاك
الزراعيين والصناعيين، وانضم
إليه عدد من اليمينيين بعد التوسع
الاستعماري، أمثال تشرشل الذي
تزعم خط مناهضة الاشتراكية.
يهدف الحزب إلى صيانة
الإمبراطورية، وتأييد المؤسسات
التقليدية.
46
الانتخابية، وخسر بلفور مقعده في البرلمان . وفي عام ١٩١١ ، استقال من
قيادة الحزب، ولم يعد اسمه لام  عا، كما كان يوم قابلته أول مرة.
وكانت الفترة الواقعة بين عامي ١٩٠٦ و ١٩١٤ فترة حاسمة في تاريخ
اليهود، وكنت أعمل في بريطانيا وخارجها، مع اليهود ومع غيرهم، لكي
يقدر الجميع الفكرة الصهيونية كما كنت أتخيلها.
وكان هناك تيار منتشر بين اليهود هو (الصهيونية السياسية، يقول أنصاره
إن فلسطين هي إحدى الولايات التابعة للإمبراطورية، ولن نستطيع – نحن
اليهود – أن نتغلب على الخطر الذي فرضته تركيا على شرائنا الأرض أو
نفك القيود التي وضعتها على هجرتنا لها، إلا إذا استعنَّا بدولة كبرى،
وحصلنا منها على (وعد) يبيح لنا تنفيذ مشروعنا في فلسطين.
وكان هؤلاء يهاجموننا نحن (الصهيونيين العمليين)، لأننا كنا نؤمن
بوجوب احتلال أراضي فلسطين قطعة بعد أخرى، والعمل على إحياء التقاليد
اليهودية بين يهو د العالم، وإحياء العبرية وتعميمها، ثم ربط كل اليهود بفكرة
وطنهم فلسطين.
وفي المؤتمر الصهيوني الثامن الذي عقد عام ١٩٠٧ في لاهاي، وقف ُ ت أنا
لأخطب باسم أنصار الصهيونية العملية، فشرحت وجهة نظري وتحدثت عن
الخلاف بين الصهيونية السياسية والصهيونية العملية، فقلت : "إنكم تتحدثون
عن وعد تنالونه من دولة كبرى يبيح لكم العمل في فلسطين، وأنا أؤكد لكم
أن ألف وعد كهذا لا يفيد، إن لم نعمل نحن أو ً لا في فلسطين، ونقوم بالأعمال
التي من شأنها أن تحول فلسطين إلى وطن عملي".
وفي السنة نفسها، سافرت إلى فلسطين، فقضي ُ ت بها بضعة أسابي ع ، ثم
عدت لأعمل باندفاع، فأرسلنا موجات جديدة من المهاجرين، وأنشأنا
مستعمرات قوية، وقوينا المستعمرات الضعيفة.
وحين نشبت الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٤ ، وتورطت تركيا فيها،
أدركت أن رجل أوربا المريض قد م ّ كن أعداءه منه، وأننا على وشك
الوصول إلى بعض ما نريد . لقد زجت تركيا بنفسها في أتون الصراع الدولي
وهي ضعيفة منهكة، ومعنى هذا أن الحرب ستنتهي باقتسام مستعمراتها –
ومن بينها فلسطين – أيا كان المنتصر.
وفي طريق عودتي – من مصيفي في سويسرا – إلى لندن، فكرت كثيرا
في الحرج الذي أوقعتنا فيه الحرب . كنا على علاقة طيب ة بكل الدول
المتحاربة. وكان كل طرف يظن أننا أخلص له من غير ه. أما وقد نشبت
الحرب، فقد كان علينا أن نأخذ موقفًا، فهل نؤيد ألمانيا وتركيا، أم نقف مع
بريطانيا وفرنسا؟ وماذا لو هزِم الطرف الذي راهنَّا عليه . وتذكرت ما كان
47
هرتزل يقوله، وانتهيت إلى أن العمل في ك ل اتجاه ينبغي أن يكون وسيلتن ا:
فلنراهن على الجميع، ولنقنع الجميع أن مصلحتهم في تحقيق أهدافن ا. ومع
أنني كنت أثق بانتصار بريطانيا، فإن ذلك لم يحلْ دون بقاء مكتب المنظمة
في برلين يعمل، بل ويواصل الاتصال بالألمان وحلفائهم، ويكمل الحوار
الذي بدأه هرتزل مع غليوم.
ركز ُ ت نشاطي في لندن، واستطعت أن أتعرف إلى أحد الصحفيين
رئيس تحرير ،(Scott) البريطانيين المعروف بحماسه لنا، وهو سكوت
وكان لمقالاته ،(Manchester Guardian) صحيفة المانشستر جارديان
تأثير طيب على الرأي العام البريطاني.
وكان سكوت رج ً لا طويل القامة، موفور ال نشاط على الرغم من كبر سنه،
وله اهتمامات سياسية متعددة، وعرف عنه دفاعه عن الأقليات المضطهدة في
كل بلدان أوربا.
سألني سكوت، فور تعرفي إليه: "هل أنت روسي؟".
فقلت من الفور : "لست روسيا، ولا أعرف شيئًا عن روسيا، لكنني يهود ي .
وإذا أردت أن تتحدث إلي كيهودي فهذا يسعدني".
وبعد عدة أيام، وصلت إلي دعوة من سكوت لزيارته في منزله، فهرعت
إليه. وفي هذه المرة، كان صري  حا معي، وأطلعُته على مكنون قلبي، وحدثُته
عن أحوال اليهود السيئة في روسيا القيصرية، وروي ُ ت له شيئًا عن طفولتي
في موتول. وقلت له إن مشكلة اليهود واحدة، و إن خلاصهم يتركز في
الاستيلاء على فلسطين، وإنشاء دولة له م . وحدثته عن أحلامي وخلافي مع
بقية الصهاينة حول مشروع أوغندا.
استمع سكوت إلي باهتمام . وقرب نهاية الحديث، أخبرني أنه يود أن يفعل
شيئًا لمساعدتي، وعرض علي أن يقدمني للساسة البريطانيي ن . كما تحمست
صحيفته لقضية اليهود، وساندت مطالبهم . وصدق سكوت وعده لي، فقدمني
إلى الساسة، وعرفني برجال الصحافة . وكنا نتقابل مرة كل أسبوع، حين
أصل من مانشستر إلى لندن في عطلة نهاية الأسبوع، لإجراء المشاورات
والاتصالات.
وذات صباح من شهر ديسمبر (كانون الأو ل ) ١٩١٤ – بعد ان د لاع
الحرب العالمية الأولى بعدة أشهر – دبر سكوت مقابلة لي مع لويد جورج
وكانا ،(Herbert Samuel) وهربرت صموائيل (Lioyd George)
.(Herbert Asquith) وزيرين في وزارة أسكويث
وأحسست بالخوف وأنا أتحدث إليهم حول مائدة الغداء، وكنت أقدر
العواقب الوخيمة التي قد تتر تب على مثل هذا اللقاء بالنسبة للحركة
شارل سكوت
(١٩٣٢ – ١٨٤٦)
صحافي وكاتب بريطاني.
عمل محررا في صحيفة
– المانشستر جارديان ( ١٨٧٢
١٩٢٩ ) التي كان يملكها زوج
أخته، وأصبح أحد مالكيها سنة
.١٩٠٥
انتخب عضوا في مجلس
العموم عن حزب الأحرار
.(١٩٠٦ – ١٨٩٥)
مانشستر جارديان
صحيفة سياسية بري ط انية
يومية.
. أسست عام ١٨٢١
رأس تحريرها شارلز سكوت
.١٩٢٩ – بين عامي ١٨٧٢
نالت سمعة عالمية ونفوًذا
عاليا في السياسة البريطانية.
48
الصهيونية، على الرغم من أن سكوت أخفَى عني الهدف من الاجتماع.
وفور أن جلسنا إلى أماكننا حول المائدة، أخذ لويد جورج يلقي بالأسئلة
عن فلسطين والهجرات اليهودية السابقة، وعن عدد المؤيدين للحركة
الصهيونية بين اليهود، وعن نو اياهم تجاه بريطانيا في الحرب الدائرة بينها
وبين أعدائها، وعن موقف البريطانيين الصهاينة من رئاسة المنظمة
الصهيونية الموجودة في برلين.
وقد تحدثت في هذا اللقاء عن المصلحة التي تتحقق لبريطانيا، إذا منحتنا
فلسطين، فقلت: "سوف تنتهي الحرب مهما طال زمنها، وأنا وا ثق بأن الحلفاء
سينتصرون، وعليكم أن تفكروا في مشاكل ما بعد الحرب . ومن حسن الحظ
أن فلسطين متاخمة لقناة السويس شريان تجارتكم الرئيسي، ونحن – وحدنا –
نستطيع بوجودنا فيها أن نحجز النفوذ الفرنسي عن قناة السويس، ونحجز
القناة عن البحر الأسود، فنضمن لبريطانيا السياد ة في البحار، وتفوز على
منافسيها في أوربا: الروس والفرنسيين".
تابع هربرت صموئيل حديثي باهتمام بالغ، وكنت قلًقا لوجود ه. صحيح أنه
كان يهوديا، لكن كثيرا من اليهود البريطانيين لم يكونوا يوافقون – آنذاك –
على ما نقول . وقد دهشت حين خرج هربرت صموئيل عن صمته ليق  ول:
"لقد أعدد ُ ت مذكرة لعرضها على مجلس الوزراء البريطاني تتضمن أفكا  را
قريبة لما تقول".
كانت تلك هي أول مرة يتطرق فيها شيء إلى مسامعي عن عزم الحكومة
البريطانية على إقامة دولة يهودية في فلسطين . ونصحني لويد جورج في
نهاية الجلسة، بمقابلة أسكويث رئيس الوزراء، وبلفور وزير البحرية.
وكان قد انقضى على مقابلتي الأولى لبلفور ثماني سنوات، فلم أشِ  ر إليه ا.
وطلب ُ ت من أحد أساتذة الفلسفة المقربين منه تقديمي إليه بكلمة طيبة، وتحديد
موعد لي معه.
لكن بلفور قاطع صديقه قائ ً لا: "إن الدكتور وايزمن لا يحتاج إلى م ن يقدمه إل 
إنني لا زلت أذكر مقابلتي له في مدينة مانشستر سنة ١٩٠٦ ، وأر  حب بدعوته".
وعندما ذهب ُ ت لمقابلة بلفور في مكتبه بوزارة البحرية البريطانية، استقبلني
مرحبا، وقال لي : "يبدو أنك لم تتغير عما كنت عليه في سنة ١٩٠٦ ، وأنا
أؤكد لك أني لم أنس شيئًا من محادثتك معي في تلك السنة، ويوم تسكت
المدافع ستكون القدس من نصيبكم".
دافيد لويد جورج
(١٩٤٥ – ١٨٦٣)
سياسي بريطاني.
ولد في مقاطعة ويلز.
انتخب عضوا في مجلس
العموم عن حزب الأحرار عام
١٨٩٠ ، وظل عض  وا به أربعا
وخمسين سنة متواصلة.
تولى وزارة الخزانة عام
١٩٠٨ ، ثم تولى وزارة الذخيرة
عام ١٩١٥ أثناء الحرب العالمية
الأولى، ووزارة الحرب عام
.١٩١٦
ألف وزارة ائتلافية عام
١٩١٦ ، وقاد بريطانيا نحو
النصر، وحقق أطماعها في
مؤتمر فرساي.
49
وكان الأمر يتطلب مجهودا طوي ً لا حتى نصل إلى تلك النتيجة، ولم يكن
أحد يعرف أيامها ما سوف تتمخَّض عنه الحر ب . لكن هربرت صموئيل لم
ييأس، وواصل كتابة المذكرات والتقارير لرئيس الوزراء أسكويث، يلح فيها
على فكرته.
وفي مارس (آذار) ١٩١٥ ، كتب هربرت صموئيل مذكرة إضافية، قال
فيها: "إن الإمبراطورية التركية ستنهار في الحر ب . وسيكون علينا أن نختار
عدة احتمالات لمستقبل فلسطين، فإذا تركنا الأمر دون تدخل، فسوف تضم
فرنسا فلسطين إلى الشام، فيصبح هناك خطر يتهدد المواص لا ت البريطاني ة .
والاحتمال الثاني أن تعود فلسطين إلى تركيا لتقع من جديد وسط القذارة
والفساد. أما الاحتمال الثالث، فهو أن توضع تحت حماية عدد من الدول
الأوربية، وهو احتمال خطر، لأن ألمانيا قد تستغل ذلك لتجعل فلسطين
 م  حمِية ألمانية. ولم ي َ قسوى أن ُتع َ طى فلسطين لليهود، بشرط أن تصبح
تحت الحماية البريطانية أو ً لا".
ولم يكن رئيس الوزراء أسكويث متحم  سا لأفكار مثل هذه، وحاول
هربرت صموئيل إغراءه، فقال ل ه : "إن مقترحاتي سوف تعود على بريطانيا
بامتنان اليهود في سائر أنحاء العالم، ففي الولايات المتحدة الأمريكية يصل
تعدادهم إلى قرابة مليوني نسمة، وفي كافة بلدان العالم الأخرى التي
ينتشرون وسطها، سوف يؤلف اليهود كتلة متعاطفة مع بريطانيا، تدافع عنها،
وتتعاطف مع سياستها".
واصل هربرت صموئيل حرب المذكرات والتقارير ضد أسكويث، لكن
هذه التقارير لم تؤثر إلا في لويد جورج وبلفو ر . وساعدتني الظروف، عندما
حدث نقص شديد في الإنتاج البريطاني من مادة الأسيتو ن . وشعر لويد
جورج – رئيس اللجنة المشرفة على إمداد الجيش بالذخائر – بالقلق الشديد
لمعرفته بأهمية الأسيتون لصناعة المتفجرات، فاقترح عليه صديقنا المشترك
سكوت أن يستعين بي بصفتي أستاًذا لل ك يمياء. وعكَفْ ُ ت على العمل، ونجحت
– أخي  را – في الوصول إلى وسيلة جديدة ورخيصة نسبيا لإنتاج الأسيتون.
وقبل أن أقدم نتائج أبحاثي له، قلت ضاح ً ك ا: "إن الألمان مستعدون
لإعطائي نصف الإمبراطورية التركية، مقابل هذا الاكتشا ف . لكني لم أطلب
من بريطانيا سوى فلسطين".
هربرت صموئيل
(١٩٦٣ – ١٨٧٠)
سياسي بريطاني يهودي.
أول مندوب سامٍ بريطاني
على فلسطين بعد الانتداب.
ولد في مدينة ليفربول.
انتخب عضوا في مجلس
العموم عن المحافظين عام
.١٩٠٢
تولى الوزارة لأول مرة في
عام ١٩٠٩ ، عين رئي  سا للجنة
المالية خلال الحرب العالمية
الأولى.
كان مندوبا ساميا لبريطاني  ا
في فلسطين بين عامي ١٩٢٠
و ١٩٢٥ . وأقام جهازا مدنيا
بريطانيا ضم عددا من اليهود.
باشر تطبيق ما تضمنه صك
الانتداب ووعد بلفور، فأصدر
قوانين تسهل الهجرة اليهودية .
واعترف بالوكالة اليهودية ممثلة
لليهود، واعتبر اللغة العبرية لغة
رسمية ثالثة.
شجع عمليات بيع الأرض
للمستوطنين اليهود وإقامة
المستوطنات.
50
ومع أن لويد جورج قد ضحك لكلماتي، فإنه أدرك ما أعنيه، وفهم أن
اكتشاًفا كالذي توصل ُ ت إليه يمكن أن يصل إلى أعداء بريطانيا، إذا لم تنظر
بعين العطف إلى أهدافن ا. وسرعان ما أتيحت لي فرصة أخرى لكي أوثق
علاقاتي ببلفور، فقد عينني – في سبتمبر (أيلول) ١٩١٥ – مستشارا فنيا
لوزارة البحرية التي تولاها، فأصبحت من أعوانه المقربين.
استقالت وزارة اسكويث قرب نهاية عام ١٩١٦ ، وتشكلت وزارة بريطانية
جديدة يرأسها لويد جورج، ويتولى بلفور فيها منصب وزير الخارجي ة . ومع
أن صديقنا هربرت صموئيل فقد منصبه، وحل محله وزير يهودي ي ر فض
فإن ، (Edwin Samuel Montagu) أهدافنا هو إدوين صموئيل مونتاجو
ذلك لم يوقف نشاطنا، ولم يفتَّ في عضدنا.
كنا ندرك التطور الذي وصلت إليه حركتنا، فقد خرجت من دور
النظريات والدعايات إلى دور العمل والتنفيذ، وأصبحنا في مركز يساعدنا
على أن نعرفم  ن كان معنا وم  ن كان علينا.
وفي بداية عام ١٩١٧ ، رأيت أنه قد حان الوقت لعمل شيء حاسم
للحصول على تصريح قاطع واضح يحفظ لليهود آمالهم في فلسطين، فقابلت
(Lionel Walter اللورد بلفور، وكان معي البارون ليونيل فالتر روتشيلد
وكان .(Ronald Graham) والسير رونالد جرهام ،Rothschild)
الاعتقاد السائد لدى الدوائر الصهيونية أن الاتصالات بالحكومة البريطانية قد
هربرت صموئيل عند وصوله
ميناء يافا في يونيو (حزيران)
عام ١٩٢٠ ليبدأ عمله بوصفه
أول مندوب سام على فلسطين.

طالت، وأن الوقت قد حان كي تعلن بريطانيا عن تأييدها لمطالبن ا. وقلت
لبلفور: "إن الدوائر الصهيونية في العالم تنتظر أن تعلن بريطانيا – في
تصريح رسمي – موافقتها على إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين".
رحب بلفور بالاقتراح، ووعدني بأن يعمل ما في وسعه من أجل إصدار
بيان، تعلن فيه الحكومة البريطانية تأييدها للحركة الصهيونية، طلب منا إعداد
صيغة البيان المقترح، تمهيدا لعرضه على مجلس الوزراء البريطاني.
وفور مغادرتنا وزارة الخارجية، دعوت الحاخ امات، ورجال الفكر
اليهودي، وزعماء الحركة الصهيونية إلى مؤتمر يقوم بإعداد صيغة البيان
الذي نريده.
كنت أظن أننا سنعد البيان خلال عدة أسابيع، ولكن اجتماعاتنا كشفت عن
خلافات جوهرية بين المتطرفين والمعتدلين.
رأى البعض أن ينص التصريح المرتقب على إنشاء دولة يهو د ية في
فلسطين، انطلاًقا من أن فلسطين يهودية، كما أن بريطانيا بريطانية، وفرنسا
فرنسية.
ورأى المعتدلون أن ينص التصريح على إنشاء وطن قومي للشعب
اليهودي في فلسطين، دون أي إضافات أخرى قد ُتعقِّد الموقف أمام بريطانيا.
اشتد الخلاف بين أعضاء المؤتمر، وكنت حري  صا ع لى الانتهاء من البيان
المطلوب في فترة زمنية قصيرة، فاستقر الرأي على تشكيل لجنة لدراسة
المشروعات المقدمة من الجماعات الصهيونية المختلفة، وإعداد مشروع
واحد.
وضمت اللجنة اثنين من أصحاب الفكر الصهيوني، ومن ذوي النفوذ في
الأوساط الصهيونية، والمشهود لهم با لا عتدال والتَّروي، وهما الكاتب
والصحفي الصهيوني البارز ،(Ahad Haam) الصهيوني آحاد هاعام
الذي أسنِدت رئاسة اللجنة إليه، (Nahum Sokolov) ناحوم سوكولوف
،(James de Rothschild) كما انضم إلى اللجنة جيمس دي روتشيلد
وليونيل فالتر روتشيلد . وشاركت بنفسي في عدة اج تماعات لهذه اللجنة، ثم
سافرت إلى جبل طارق.
كنت أخ َ شى آحاد هاعام أكثر مما أخ َ شى أي عضو آخر في اللجنة، فقد
كانت آراؤه تبدو منطقية وعملي ة . لم يكن آحاد اندماجيا يسعى لكي نذوب في
آحاد هاعام
(١٩٢٧ – ١٨٥٦)
كاتب ومفكر صهيوني،
وزعيم الجناح الثقافي في الحركة
الصهيونية.
ولد في روسيا.
انضم إلى حركة عشاق
صهيون عام ١٨٨٦ ، ثم انتقدها،
وأسس حركة بني موسى عام
.١٨٨٩
عارض صهيونية هرتزل
السياسة. وانتقد استيطان فلسطين
بسبب صغر رقعتها، ولأنها
مأهولة بالسكان العرب.
عمل على تأسيس مؤسسات
صهيونية ثقافية وتعليمية في
فلسطين لبعث (اليهودية)، ونشر
نفوذها الروحي، حيث يسكن
اليهود في العالمِ.
من أقوال آحاد هاعام
"إنهم – الصهيونيين –
يستشيطون غضبا ممن يذكرونهم
بوجود شعب آخر في أرض
فلسطين، يعيش هناك، ولا ينوي
المغادرة على الإطلاق".
"لقد كان هرتزل يتصور أن
فلسطين لا شعب لها، وكنت مثله
أتخيل أنها مستنقعات، لكني أرى
هنا شعبا وحضارة وأطفا ً لا
وبرتقالاً. فإذا أخذناها وطردناهم
منها، فنحن نرتكب ظلما كبيرا".
52
المجتمعات التي نعيش فيها، لكنه – أي  ضا – لم يكن صهيونيا بطريقتنا، فقد
كان يرفض إنشاء دولة لنا على أرض فلسطين، ويرى أن وقتها لم يحِن بع د .
ويقول بأن فلسطين ينبغي أن تكون مركزا روحيا لنا، كما أن مكة مركز
روحي للمسلمين، وعلينا أن ندفع اليهود للتعلق بها، ولدراسة تاريخهم فيها،
ونبعث لغتهم وتقاليدهم، بالتأليف، والتربية، والدعاية، و النشر، وإنشاء
المؤسسات الثقافية.
وكان آحاد هاعام يؤمن بأننا – نحن اليهود – لنا رسالة أكبر بكثير من
مجرد إنشاء دولة على قطعة أرض صغيرة، فنحن خلاصة العبقرية البشرية،
وعلينا أن نسعى لبعث عبقريتنا، لكي تتعلم منها البشرية وتستفي د . وكنت
أخ َ شى أن يقنع الآخرين بأفكاره تلك.
وعندما عدتُ إلى لندن، كانت اللجنة التي ُ شكَلت بر ئاسة ناحوم سوكولوف
قد انتهت من إعداد مشروع البيان، بعد مناقشات صاخبة بين أعضائها.
واستقر الرأي على عرض المشروع علي مارك سايكس أحد مستشاري وزارة
الخارجية البريطانية، قبل تقديمه إلى وزير الخارجية بلفور، والاستعانة برأيه في
إعداد هذه الوثيقة، نظ  را لخبرته الواسعة بفلسطين، ولمعرفته باتجاهات الوزراء وما
يدور فيما بينهم داخل الحجرة المغلقة من أحاديث.
و ُ كلِّف ُ ت بمقابلة ماركس سايكس، وعرض مشروع البيان عليه، فذهب ُ ت إلى
مقابلته في مق  ر مجلس الوزراء البريطاني، وعرضت المشروع.
قرأ مارك سايكس مشروع البيان في عناية، وتأمله طويلاً، ثم قا ل : "يا
عزيزي وايزمن، إن البيان أطول مما يجب، وهو يتضمن تفاصيل دقيقة تم  س
فلسطين والعرب، وهذه التفاصيل من المستحسن عدم إثارتها الآن، وإلا
أْفسدت كل شيء".
فقلت له في حماس : "إن فلسطين هي مملكة إسرائيل، والصهاينة يتطلعون
إلى معاونة الحكومة البريطانية في إعادة فلسطين إليهم، لإنشاء دولته م ".
وشرعنا في بحث موقف الدول من فكرة الوطن القومي اليهودي في فلسطين،
فقال سايكس: "إن أهم عقبة أمامنا هي فرنسا، لأن فرنسا تريد سورية وفيها
فلسطين، ولا تن  س نفوذها الأدبي في الشرق".
قلت لسايكس إننا مستعدون للتفاوض مع فرنسا، فأشار بيده إشارة
غامضة، واستطرد قائ ً لا: "وهناك أي  ضا العرب . يجب ألا تن  سى يقظتهم
البارون إدموند جيمس دي روتشيلد
. في فلسطين عام ١٩١٤
ناحوم سوكولوف
(١٩٣٦ – ١٨٥٩)
كاتب، وصحافي صهيوني،
وأحد قادة الحركة الصهيونية.
ولد في بولندا.
تولى عدة مناصب مهمة في
المنظمة الصهيونية العالمية.
لعب دو  را كبيرا في المحادثات
التي أجريت مع بريطانيا وفرنسا
أثناء الحرب العالمية الأولى،
للحصول على تأييد المنظمة، ثم
على وعد بلفور.
رأس الوفد الصهيوني إلى
مؤتمر السلام في باريس.
عرف بكتابه الشهير (تاريخ
الصهيونية).
53
القومية، ونضالهم من أجل نيل الحري ة . ويمكن أن نتغلب على هذا، إذا أحسنَّا
التفاوض معهم، ولاسيما أن زعيمهم الشريف حسين رجل متزن واسع الأفق،
وثقته بنا بغير حدود . ولكن لا يتصادم التصريح الذي تريدونه مع كل هذا،
فإنني أرى أن يختصر إلى أكثر من النصف، على أن يقتصر على نقطتين
أساسيتين فقط، هما:
* أو ً لا: الاعتراف بفلسطين وطًنا قوميا للشعب اليهودي.
* ثانيا: الاعتراف بالمنظمة الصهيونية.
وختم مارك سايكس حديثه، قائ ً لا: "إن البيان يجب أن يكون خاليا من
التفاصيل، وأن تقتصر كلماته على مبادئ عامة غامضة".
خرج ُ ت من لقائي مع مارك سايكس بانطباع طيب، برغم أنه لم يذكر لنا
أنه – قبل أن يجتمع بنا – كان قد اتفق مع فرنسا على ك  ل
ما يتعلق بسورية وفلسطين في ذلك الاتفاق الذي  عرِف – فيما بعد – باسم
(سايكس – بيكو). وحتى حين علم ُ ت بأمر الاتفاق، لم أغير رأيي في
شخصية سايكس، فلقد كان الرجل مخلصا للصهيونية، وأدى لها أكبر
الخدمات. وكان اتفاقه السري مع فرنسا مفيدا لنا، فقد كان سي اسيا بار  عا،
وكان باستطاعته دائما أن يتغلب على مصاعب كنا نعجز عن تخطيها.
وبعد عدة أسابيع، قابل ُ ت اللورد بلفور – وكان قد أصبح وزيرا لخارجية
البريطانية – وشرح ُ ت له مخل  صا ما دار في اجتماعنا بسايك س . وتحدث ُ ت عن
عداء فرنسا لنا، وهنا قال لي بلفو ر : "إذا أب ْ ت فرنسا الاتفاق مع بريطانيا
لمصلحتكم، فما عليكم إلا أن تذهبوا إلى أمريكا لنتفق معا، ونعمل نحن
وأمريكا في سبيلكم".
أدرك ُ ت ما يشير إليه بلفور ، فقلت من الفو ر : "إن باستطاعتنا أن نفعل شيئًا
هناك، فالرئيس الأمريكي يحتفظ بعدد كبير من المستشارين الصهاينة في
البيت الأبيض، وبمقدورهم أن يفعلوا الكثير لنا.. ولكم".
فهم بلفور ما أشير إليه دون أن أذكره صراحة، وكنت أريد أن أقول له
إننا نملك تأثي  را كبيرا في البيت الأبيض الأمريكي، يمكن أن يكون مفيدا
لقضية الحلفاء، وأن باستطاعتنا أن نستخدم هذا النفوذ، إذا دعمت بريطانيا
قضيتنا.

0 التعليقات:

Post a Comment

شاهد ايضا