ثلاثة وعود متناقضة فى ثلاثة اعوام
الزيارات:
الزيارات:
Mahmoud | 5:09:00 AM |
وعد بلفور
أنا آرثر هنري مكماهون
ولِد ُ ت في بريطانيا عام ١٨٦٢ . وفي الحادية والعشرين من عمري
التحقت بالجيش البريطاني، ونِلْ ُ ت شرف العمل في خدمته، وقضيت معظم
سنوات حياتي العسكرية والسياسية في الشرق الأقصى، أرعى مصالح وطني
ومستعمراته، وأتابع عن قرب الصراع بيننا وبين فرنسا وروسيا وألمانيا في
تلك المنطقة المهمة من العالم.
وعلى كثرة المشاكل التي واجهتني خلال عملي بالهند، فقد كانت أسهل
بكثير من تلك التي كان علي أن أواجهها، عندماعين ُ ت معتمدا بريطانيا في
مصر. فمنذ وصولي إلى القاهرة، وجدت نفسي طرًفا في القضية العربية،
واكتشفت – بعد قليل – أنها واحدة من أكبر مشاكلنا، فبذلت كل جهدي لكي
أخدم العلم البريطاني الذي أقسمت على الولاء له، وضمنت لبريطانيا وجودا
حقيقيا في منطقة من أهم مناطق العالم، وهو أمر لا ينجح فيه رجل ناقص
الخبرة، أو قليل المعرفة، كما قال بعض خصومي من السياسيين البريطانيين.
ولس ُ ت أريد هنا أن أدافع عن نفسي، لكني أود أن أشرح الظروف التي
أحاطت بنا خلال الحرب العالمية الأولى، وأّثرت في رسم سياستنا تجاه
الأقطار العربية التي كانت تحت السيادة التركية، وهي سياسة ُقم ُ ت بالخطوة
الأولى فيها، حين تبادلت مع الشريف حسين – أمير مكة – مجموعة من
الرسائل، كانت محلّ جدل ونقاش وخلاف بعد الحرب.
كنت في الهند، عندما نشبت الحرب العالمية الأولى . وقد أدركت – من
الفور – أن إمبراطوريتنا في خطر، وأن بريطانيا ستكون مضطَّرة للحرب
على جبهات متع ددة. لم يكن علينا أن نحارب – فحسب – أعداءنا الألمان
والنمساويين، بل كان علينا أيضا أن نتنبه لأطماع حلفائنا الفرنسيي ن
آرثر هنري مكماهون
(١٩٢٠ – ١٨٦٢)
سياسي وعسكري وبريطاني من
أصل أيرلندي.
ولد في لندن، والتحق بالجيش
. عام ١٨٨٣
عمل في أفغانستان، وإيران،
والهند.
عين معتمدا بريطانيا على مصر
. سنتي ١٩١٥ و ١٩١٦
كان مندوبا بريطانيا لشئون
الشرق الأوسط في مؤتمر الصلح
. بباريس عام ١٩١٩
والروس. كانت التجربة قد علمتني أن أي تحالف بين دول أوربا هو
تحالف مؤقت، من أجل هدف محد د . وكنت أثق بأن الخلاف سينشب بين
الحلفاء، بمجرد أن تنتهي الحرب حين يجيء أوان توزيع المكاسب، واقتسام
المستعمرات. ولم أستبعد أن يلجأ بعض حلفائنا للمؤامرات والدسائس – حتى
أثناء الحرب – ليضمنوا لأنفسهم نصيبا أكبر من غنائمها.
ومع أن التفكير في تلك الأمور قد شغلني بعض الوقت، فإنه لم يصبح
همي الملِح إلا عندما صدر قرار بتعييني معتمدا بريطانيا في مصر، بعد
أسابيع قليلة من نشوب الحرب وشاء حظي أن أخلف – في هذا المنصب –
(Lord Horatio Herbert قائدا بريطانيا شهيرا هو اللورد كتشنر
وكان اللورد يقضي عطلته السنوية في بريطانيا، عندما ن ش بت .Kitchener)
(Asquith) الحرب، فأسرع بالمغادرة متجها إلى القاهر ة. لكن رئيس الوزراء
طلب إليه العودة ليتولَى منصب وزير الحربية.
وعندما صدر قرار وزارة الخارجية البريطانية بأن أخلف كتشنر في
منصبه، آثرت أن ألتقي به قبل أن أقوم بأي شيء آخ ر . ولم يكدي مرور وقت
قصير على لقائنا، حتى أدركت أنني أمام رجل يفهم مصالح بريطانيا،
ويحرص عليها. وقد حضر اجتماعنا السكرتير الشرقي لدار الاعتماد
ومع أن .(Sir Ronald Storrs) البريطاني في القاهرة السير رونالد ستورز
كتشنر كان مشغو ً لا بشئون الجيش، فإنه أعطانا وقًتا طويلاً، وعرض أفكاره
قوات كثيرة في منطقة الكرنك تستعد للتوجه إلى الخرطوم لقمع ثورة المهدي
هوراشيو فربرت كتشنر
(١٩١٦ -١٨٥٠)
قائد عسكري وسياسي بريطاني.
كان أحد الضباط البريطانيين
الذين دخلوا الجيش المصري بعد
. الاحتلال عام ١٨٨٣
عين حاك ما للسودان الشرقي
.(١٨٨٨ – ١٨٨٦)
عين قائدا للجيش المصري عام
١٨٩٢ . وقمع الثورة المهدية في
السودان. وعين حاكما عاما له.
عين قنص ً لا عاما بمصر ( ١٩١١
.(١٩١٤ –
عين وزيرللحربية البريطانية
أثناء الحرب العالمية الأولى.
هربرت أكسويث
رئيس وزراء بريطانيا
ببساطة، واستعان في توضيح بعض ما يقول بخريطة ضخمة للإمبراطورية
العثمانية
قال كتشنر، وهو يشعل غليونه، وينظر إلى المطر الذي كان يتساقط
بغزارة على نوافذ مكتبه بوزارة الحرب : "إن مشكلة الحرب الآن هي تركيا،
ومن وجهة النظر العسكرية والسياسية، فإن الح لفاء يستطيعون الانتصار لو
ضمنوا أن تركيا لن تدخل الحرب في صفِّ الألمان".
صمت كتشنر برهة، فقلت لكي أكسر حاجز الصمت : "لكن الأتراك أعلنوا
وقوفهم على الحياد.. وصدر بيان بذلك فع ً لا".
لاحت ابتسامة خفيفة على وجه كتشنر العسكري الصارم، وقا ل : "أنت تعلم
أن الألمان يس يطرون على كل شيء في تركيا، الاقتصاد، والمواصلات،
والحكومة، وحتى الجيش . والحياد الذي أعلنته تركيا لم يخدعنا أو يخدع أحدا
من حلفائنا، والشيء المؤكد أن دخول الأتراك الحرب ضدنا مسألة وقت".
المعتمدية البريطانية في القاهرة
المعتمد البريطاني
كان ممثل بريطانيا في مصر
يحمل لقب (قنصل بريطانيا
العام)، حتى وقع الاحتلال
البريطاني، فأصبح اسمه (المعتمد
البريطاني). وبعد صدور
تصريح فبراير (شباط) ١٩٢٢
الذي منح مصر استقلا ً لا ذاتيا،
أصبح يطلق عليه (المندوب
السامي البريطاني). وبعد
انسحاب الجيش البريطاني من
المدن إلى منطقة قناة ا لسويس
تطبيقا لمعاهدة ١٩٣٦ – حمل
ممثل بريطانيا لقب (السفير).
19
وتحرك كتشنر من مقعده، وقال وهو يشير إلى الخريطة بمؤشر في يد ه:
"إن دخول الأتراك الحرب كارثة ينبغي أن نحسب لها كل حساب، فهم
يسيطرون على العراق والشام وشبه الجزيرة العربية، ويهددون حقول النفط
التي تملكها الشركة الإنجليزية – الإيرانية على رأس الخليج العربي،
ويحرمون غواصتنا من الوقود، ووجودهم في شبه الجزيرة العربية يهدد
شاطئ البحر الأحمر، وسيطرتهم على الشام تسهل وصولهم إلى قناة السويس
عبر فلسطين وصحراء سيناء . ومعَنى ذلك كله أنهم يستطيعون حصارنا،
والقضاء على قواتنا البحرية، وقطع شرايين مواصلاتنا".
واستدار كتشنر عائدا إلى المنضدة الصغيرة التي تحّلقنا حوله ا. كانت
الأفكار التي عر ضها من البساطة، بحيث دهشت لأنها لم َترِ د في رأسي قبل
ذلك. وأدركت أنني كنت أنظر إلى الوجه الآخر من الصورة، فمعظم القسم
العربي من الإمبراطورية التركية كان قد وقع بين أيدي الأوربيين، فاحتل
الفرنسيون الجزائر عام ١٨٣٠ ، ثم تونس عام ١٨٨١ ، واستولينا نحن على
السودان عام ١٨٩٩ ، وأخذ الإيطاليون ليبيا سنة ١٩١١ . لكن ذلك – في رأي
كتشنر – لم يكن كافيا، لكي نطمئن على سير الحرب.
وحين ذكرت له أن وجود الحلفاء – في كل تلك الأقطار – يمكن أن
يوازن الأخطار التي قد تأتي من العراق وسورية وشبه الجزيرة العربية،
قال: "لا َتنْس أن كل الأقطار التي استولَى عليها الحلفاء ما زالت تحت
السيادة الاسمية لسلطان تركيا، وهو في الوقت ذاته خليفة المسلمي ن . ويوم
يدخل الأتراك الحرب، سيعلن الخليفة الجهاد المقدس ضدنا، فيثور العرب
المسلمون في تلك الأقطار، ونتلقَّى مدافع الألمان بصدورنا، وسيوف العرب
في ظهورنا".
وفي نهاية المقابلة، قال لي كتشن ر : "سوف يكون للمعتمد البريطاني في
القاهرة دور مهم في تأمين مصالح بريطاني ا. والنقطة الأساسية في ذلك، هي
شركة البترول الإيرانية
البريطانية
شركة بريطانية لتكرير ونقل
النفط، أسست عام ١٩٠٩ في
مدينة عبدان الإيرانية على
شاطئ الخليج العربي.
كانت واحدة من أكبر مراكز
ضخ النفط في العالم، وكانت
تنقل ٥٠٠ ألف برميل في اليوم.
نقل الزعيم الإيراني محمد
مصدق ملكيتها للدولة عام
١٩٥٠ ، وتوقفت ثلاث سنوات
عن الضخ حتى تولت مجموعة
شركات عالمية استغلالها من
. جديد عام ١٩٥٤
ميناء عبدان في إيران، حيث أقامت
شركة البترول الإيرانية البريطانية
أكبر مصفاة للنفط في العالم، عام
.١٩١٣
حرمان الأتراك من القيام بدور فعال في الحرب . وسوف يشرح لك ستورز
ما لديه من تفاصيل".
وحين اجتمعت بعد ذلك مع ستورز، وقرأت التقارير المتعلقة بالموضوع،
استطعت أن أفهم اتجاه تفكير كتشنر.
كان العرب هم المفتاح السحري لأهم مشاكل الحلفاء مع تركي ا. فهل أهل
البلاد التي يحتلها الأتراك، فإذا ثاروا عليهم، عجز الأتراك عن تهديد قناة
السويس، ولم يجد خليفتهم أذًنا تصغي إليه، عندما يعلن القتال المقدس،
وضمن الحلفاء الهدوء على أهم جبهاته م.
اختار كتشنر أن يضرب تركيا من أكثر الأماكن ملاءمة لتوجيه الضربة،
وهي شبه الجزيرة العربية، وعلى وجه التحديد من مكة . ومع أن شبه
الجزيرة كانت تابعة لتركيا، فإن أمير مكة – الشريف حسين بن علي – كان
نم ً طا مختلًفا عن بقية حكام شبه الجزيرة، إذ كان يسيطر على قبائل قوية
جعلت له استقلا ً لا شبه ذاتي . وكان موقعه من الناحية العسكرية والسياسية
بالغ الأهمية، فهو يقف بجيشه القبلي وسط القوات التركية في شبه الجزيرة
العربية، فيستطيع أن يضرب قلبها، ويقطع خطوط مواصلاتها، ويمن ع ها من
أي محاولة للهجوم على قوات بريطانيا في مصر . وله فوق هذا مكانة فريد
في العالم الإسلامي، فهو حفيد نبي المسلمين، وهو القيم على الأماكن
الإسلامية المقدسة في مكة والمدينة.
ومن حسن الحظ أن الابن الأوسط للشريف حسين – الأمير عبد الله –
كان معجبا إلى حد م ا بالسياسة البريطانية . وقبل الحرب بعدة أشهر، وصل
الأمير إلى القاهرة في طريقه إلى إستانبول، حيث كان يمثل إمارة مكة في
مجلس المبعوثان (النواب) التركي، وزار اللورد كتشنر – المعتمد البريطاني
وقتها – للتحية. لكن الزيارة كشفت عن اتجاه جديد في تفكير الأمير.
وصف عبد الله لكتشنر العلاقات السيئة بين والده وبين الأتراك، وألمح
إلى أن الثورة ضدهم قد تنشب في أي وقت، إذا عزل الأتراك والد ه. وأشار
من طرف خفي إلى أن ذلك يتوقف على مدى المساعدة التي تقدمها بريطانيا
للشريف، لكي يثور ضد الأتراك.
ولم يتكلم كتشنر، واستكمل عبد الله – في اليوم التالي – مناقشاته
رونالد ستورز
(١٩٥٠ – ١٨٨١)
سياسي بريطاني درس في
بريطانيا، وتعلم اللغة العربية.
عمل موظًفا بوزارة المالية
المصرية عام ١٩٠٩ ، ثم سكرتيرا
شرفيا لدار الاعتماد البريطاني في
مصر.
عين إبان الحرب العالمية الأولى
ضابط اتصال في بغداد.
انتقل إلى وزارة الحرب
البريطانية عام ١٩١٧ ، وعين حاكما
عسكريا للقدس.
كان عضوا في عدة هيئات
بريطانية عربية، منها الغرفة
التجارية البريطانية المصرية، ولجنة
حفظ الآثار العربية بالقاهرة، وهيئة
التنقيب الفلسطينية.
. عين حاك ما لقبرص عام ١٩٢٦
21
مع السير رونالد ستورز، لكن السكرتير الشرقي لدار الاعتماد ظل متحفظًا،
فلم يكن قد جد شيء بعد، يتطلب تغيير سياستنا تجاه تركيا.
وفي الأسابيع الأوَلى لنشوب الحرب، تحركت الفكرة من جدي د . فكتب
ستورز رسالة للأمير عبد الله، ذ ّ ك ر ه فيها بلقائهما في بداية العام بالقاهرة، وما
دار بينهما من نقاش . وفي نهاية الرسالة، طلب ستورز أن يعرف موقف
شريف مكة إذا دخلت تركيا الحرب، هل يقف في صفِّها، أم يناصر بريطانيا
العظمى؟
لم يكن رد الأمير عبد الله على رسالة ستورز مشجعا، فقد قال إن الشريف
حسين راغب في الوصول إلى تفاهم مع بريطانيا العظمى، ولكنه مع ذلك
مضطر للوقوف على الحياد، لأنه لا يستطيع أن يخرج علًنا على الخليفة
. التركي، بسبب مركزه الديني، باعتباره أحد أحفاد الرسول
وفهم ستورز أن الشريف حسين يبدي استعدادا للتعاون، لكنه يسأل عن
الشروط. وهنا تدخل اللورد كتشنر وزير الحربية البريطانية، فأرسل تعهدا
بريطانيا يضمن للشريف حسين حكم مكة، واحتفاظه بجميع حقوق هذا
ضباط أترك وألمان في القدس
فرض عين
الفرض في الشريعة
الإسلامية هو السلوك الواجب
الاتباع بتعليمات القرآن، وفرض
العين هو الفرض الذي يجب أن
يؤديه كل مسلم.
المنصب وامتيازاته، وتعهدت بريطانيا بحمايته من كل اعتداء خارجي، في
حالة وقوفه وأتباعه إلى جانبها ضد الأتراك . وختم كتنشر رسالته بتلميح
يشير إلى أن بريطانيا ستؤيد الشريف حسين، إذا رشِّح خليفة للعرب
والمسلمين.
كانت وعود كتشنر مؤثرة، أخرجت الشريف حسين عن تحفظ ه . وأسرع
ابنه الأمير عبد الله بالكتابة لستورز، مؤكدا أن ال شريف سيثور على
الأتراك، لكنه لا يستطيع القيام بأي عمل عدائي ضدهم قبل أن يستك م ل
استعداداته. وطلب إمهاله بعض الوقت لكي يتبين الموقف، ويجمع قواته.
وفي نوفمبر (تشرين الثاني) ١٩١٤ ، دخلت تركيا الحرب، وحدث ما كنا
نخشاه، إذ أصدر شيخ الإسلام التركي فتوى أعلن فيها أن الجهاد قد أصبح
(فرض عين) على جميع المسلمين الذين يعيشون تحت حكم بريطانيا العظمى
وفرنسا وروسيا، وأن عليهم أن يتَّحِدوا لمقاومة هذا الدول الثلا ث ، عدوة
الإسلام، وأن يحاربوها ويحاربوا حلفاءه ا. وعبر الحدود تسللت ملايين
المنشورات التي تحمل هذه الفتوى إلى المسلمين في مصر، والسودان،
والبلاد الإفريقية الأخرى.
وعندما تسلمت مهام منصبي في يناير (كانون الثاني ) ١٩١٥ ، كانت
الاتصالات بين ستورز وعبد الله قد توّقفت . وكان ستورز مشغو ً لا بالتفاوض
مع الزعماء العرب المقيمين في مصر، وفي مقدمتهم عزيز علي المصري،
(Sir Regnald والشيخ رشيد رضا. وكان السير رجنالد ونجت
الحاكم البريطاني للسودان – يتباحث مع الزعماء هناك. – Wingate)
كان الموضوع – في كل تلك المباحثات – هو محاولة إقناع العرب بأن
مستقبلهم رهن بالتحالف مع بريطاني ا. وبعد أن درس الزعماء العرب رسائل
كتشنر للشريف حسين، أعلنوا أنها غير كافية، وطالبوا بضمانات تكفل
استقلال دولة عربية أوسع نطاقًا من إمار ة مكة، قبل أن يقوموا بأي شيء
ضد الأتراك.
وكان لابد أن نواجه الموقف، فكلفني مجلس الوزراء البريطاني بإصدار
بيان عام يهدئ مخاوف المسلمين . وقد قل ُ ت – في بياني هذا – إن بريطانيا
العظمى تتعهد بأن ينص أحد بنود معاهدة الصلح على الاعتراف بشبه جزيرة
العرب دولة مست قلة ذات سيادة تامة على أماكن المسلمين المقدس ة . وأشرت
رجنالد ونجت
(١٩٣٥ – ١٨٦١)
قائد عسكري، وسياسي
بريطاني.
كان قائدا للجيش المصري
– وحاكما عاما للسودان ( ١٨٩٩
.(١٩١٦
رأس أركان العمليات الحربي ة
.(١٩١٩ – في الحجاز ( ١٩١٦
عين مندوبا ساميا على مصر
.(١٩١٩ – ١٩١٧)
23
في بياني إلى أن الحكومة البريطانية على استعداد للترحيب بقيام خلافة
عربية.
نشرت بياني في أوائل شهر يونيو (حزيران) ١٩١٥ ، وطبع في منشورات
و زعت بأعداد كبيرة في جميع أنحاء مصر والسودان، وهرب بعضها إلى
الشام، وألقت الطائرات البريطانية عشرات الآلاف من نسخه على مدن
الجزيرة العربية.
كان بياني خطوة أخ رى إلى الأمام، بعد التعهدات التي أرسلها كتشنر
للشريف حسين، ووعده فيها بحماية إمارة مكة من أي اعتداء خارج ي . فقد
وعد ُ ت في البيان الجديد بأن تعترف بريطانيا بقيام د و لة مستقلة في جزيرة
العرب كلها وبتأمين سلامته ا. لكن ذلك لم يرضِ العرب، وقالوا إن التعهد
الذي قدمناه لا يشمل استقلال بلاد الشام والعراق، واقتصر على شبه جزيرة
العرب وحدها.
................................................
................................................
مضت سبعة شهور، قبل أن يستأنف الشريف حسين مراسلاته معنا،
وكنت قلقًا لانقطاع اتصالاته، ولم أدرك السر في انقطاعها
إلا بعد ذلك بوقت طويل . وحين وصلت إلي أوَلى رسائله مع الشيخ محمد
عارف – وهو أحد العلماء الذين يثق بهم الشريف – أدركت أن تغيرمهم ا
قد حدث في أفكار أمير مكة، وأن مطالبه قد تجاوزت حدود إمارة مكة،
ليطالب بدولة عربية تضم المشرق العربي كله.
لم تكن المذكرة مؤرخة، بل لم يكن عليها أي توقيع، مبالغة في الحر ص .
وقد بدأت بمقدمة تؤكد تصميم الأمة العربية على نيل استقلالها السياسي،
وتعرب عن اعتق اد العرب بأن المصالح بينهم وبين بريطانيا متبادلة، ثم
أخذت المذكرة تعدد الشروط التي يتمسك بها الحسين لكي يستطيع أن يشترك
باسم الأمة العربية في حلف مع بريطانيا العظمى لتحقيق تلك الغاية، وكان
على رأسها:
أن تساعد بريطانيا في استقلال دولة عربية – رسمت المذ ك رة حدودها
بدّقة – تضم العراق، والشام (سورية ولبنان وفلسطي ن )، وشبه الجزيرة
العربية.
24
* وأن تضمن إلغاء جميع الامتيازات الأجنبية التي منحت للأجانب
بمقت ضى نظام الامتيازت الأجنبية في كل أرض الدولة الجديدة.
وقال الشريف في رسالته إن العرب يتعهدون – في مقابل ذلك – بعقد
معاهدة دفاعية بين الدولة المستقلة وبريطانيا، ويتعهدون بتقديمها على غيرها
في المشروعات الاقتصادية التي تتطلب خبرة أجنبية.
وحين تأملت الخريطة، أدركت أن المساحة التي يطالب العرب بها أوسع
مما تستطيع بريطانيا أن تستغني عنه . فنحن لم ندخل الحرب لكي نمنح
العرب الاستقلال، لكننا دخلناها لكي نحمي مستعمراتنا من مطامع الألمان
والنمساويين. وقد كنا على استعداد لمنح الشريف حسين استقلا ً لا في حدود
إمارة مكة، أو حتى شبه الجزيرة العربية كلها، أما أن نمنح الاستقلال لدولة
عربية تضم العراق والشام وشبه الجزيرة، فمعنى هذا أننا نضع بذور دولة
أكبر من دولة محمد علي، ستكون خطرا على مصالحنا أضعاف ما كان.
وفي ٣٠ أغسطس (آب) ١٩١٥ ، أرسلت ردي إلى الشريف حسين، وقد
صغته في أسلوب مرن، لم يتضمن ردا صريحا بالقبول أو الرفض، واكتفي ُ ت
بأن كررت التعهدات العامة التي تعهد بها اللورد كتشنر – من قبل –
للشريف حسين. وهربت تماما من الالتزام الذي أراد الحسين أن نتعهد به،
وهو تحديد حدود الدولة العربية التي تتعهد بريطانيا بمنحها الاستقلال.
وجاء رد الشريف حسين على رسالتي قاطعا، فقد تمسك بمسألة الحدود،
واعتبرها كل شيء . وقال إن اقتراحه الخاص – بتحدي د حدود المنطقة
العربية المستقلة – قد قوبل بغموض وبرود وتردد . وأكد أن المقترحات
ليست صادرة عنه وحده، لكنها مقترحات شعب بأسره. وختم رسالته مؤكدا
أن قضية الحدود يجب أن ُتعَتبر مسألة أساسية، إذ إن الشعب العربي كله
يعتبرها أساس أي اتفاق، وأن نتيجة المفاوضات مع ي متوقفة على موافقتي أو
رفضي لقضية الحدود المقترحة.
وضعني رد الشريف حسين في مأزق حرج، فقد خيرني بين الموافقة
الواضحة أو الرفض الصريح، وهو ما لم تكن مصالح بريطانيا تسمح ب ه . فلم
نكن نستطيع أن نوافق على ما يطالب به الشريف، فنحن في حاجة للعراق،
والفرنسيون يريدون الشام.
ولم تكن لدينا معلومات كافية حول قوة الشريف، وكان ستورز يرى أن ما
يستطيع الرجل أن يفعله للحلفاء قليل، وأن نفوذه قاصر على شبه الجزيرة
العربية، فلماذا يطالب بالشام والعراق؟
وقبل أن أرد على الرسالة اكتشفت سر انقطاع الاتصال بيننا وبين
الشريف حسين سبعة شهور، وعرفت لماذا تشدد في مطالبه.
أسر رجالنا ضاب ًطا عراقيا اسمه محمد شريف الفاروقي، كان قد تسلل
عبر الحدود. وخلال التحقيق معه، عرفنا أنه تع مد تسليم نفسه، لأنه من
أعضاء (جمعية العهد)، وهي الجناح العسكري لجمعية (العربية الفتاة) التي
اتخذت دمشق مقرا لها.
وكانت (العربية الفتاة) واحدة من أكبر الجمعيات القومية التي تعمل من
أجل استقلال العرب عن تركيا، تضم مدنيين من الشام والعراق ومص ر .
وكان لها جناح عسكري يضم الضباط العرب في الجيش التركي، وخاصة
في الحامية التركية التي ترابط في دمشق.
وعلمنا من الفارو قي أن الجمعية أرسلت – في بداية الحرب – رسو ً لا إلى
شريف مكة، أنبأه بأن دمشق مركز لحركة ثورية قومية تضم الشام والعراق،
ويقف في صفِّها عدد كبير من الضباط العرب في الجيش التركي، وأنها
تطلب موافقة الشريف حسين على قيادتها وتزعمها، وتستأذنه في أن يستقبل
وفدا من الجمعية في مكة، أو أن يرسل إلى دمشق مندوبين عنه للاتفاق على
مراحل التنفيذ.
أرسل الشريف حسين ابنه الأكبر الأمير فيصل إلى دمشق، فاجتمع بممثلي
جمعية (العربية الفتاة)، وشرحوا له أهدافهم، فقالوا إنهم يدبرون للثورة على
الأتراك، وإعلان الاستقلال عن تركي ا. وكشفوا لفيصل عن أن ضباط القسم
العسكري للجمعية سيقودون جنودهم العرب في الوقت الذي يحدده قائد
الثورة، فينقضون على قوات الاحتلال التركي، ويعلنون الاستقلال.
وعرض الأمير فيصل – في تلك الاجتماعات – اتصالات ستورز بأخيه
الأمير عبد الله، وشرح الوعود التي قدمها كتشن ر لوالده. لكن زعماء (العربية
الفتاة) رفضوا قبول العروض البريطانية، وقالوا إنها أقل بكثير مما يريدون،
ووضعوا ميثاقًا بالشروط التي يطالبون بها لكي يقفوا
جمعية (العربية الفتاة)
جمعية عربية سرية تعرف
ب (الفتاة).
أسست في باريس عام
١٩١١ ، بهدف العمل من أجل
استقلال العرب، وتحريرهم من
الحكم العثماني وكل أنواع الحكم
الأجنبي.
كانت أول جمعية تط الب
بالاستقلال الكامل، وليس الحكم
الذاتي للعرب ضمن
الإمبراطورية.
انتقل مقرها إلى بيروت ثم
. إلى دمشق عام ١٩١٣
جمعية (حزب) العهد
حزب سياسي عربي، أسسه
الفريق عزيز علي المصري في
مدينة إستانبول، وكان يضم
العسكريين العرب في الجيش
العثماني.
كانت أهدافه: الاستقلال
الداخلي، وتشكيل جيش عربي،
وأن تكون لغة الجيش هي
العربية.
تزعم كثير من أعضائه
السابقين قيادة العمليات في
الحجاز وسورية والعراق.
26
معنا ضد تركيا، عرِف فيما بعد ب (ميثاق دمشق).
وكان هذا الميثاق يتضمن أربع نقاط، اثنتان منها تعهدا ت بريطانية،
والأخريان تعهدات عربية . وحين أطلعنا الفاروقي على بنود الميثاق، اكتشفت
أنها هي التي وردت في آخر رسائل الشريف حسين لي.
وهكذا، اكشتفت سر توّقف مراسلات حسين، وعرفت لماذا تشدد في
مطالبه، وتحول من أمير يطلب الحفاظ على عرشه إلى ثائر يقود حركة لها
فروع في دمشق وبغداد، فاتسعت مطامحه وتجاوزت أحلامه حدود شبه
الجزيرة لتصل إلى العراق والشام.
وكان ذلك تغيرا جوهريا في الموقف، فلم َن عد في حاجة إلى دفع الشريف
للتمرد على الأتراك ليشغلهم عن القيام بعمل عسكري ضدنا فحسب، لكن كان
علينا أيضا أن نحول بينه وب ين التحالف مع الأتراك، وكانت حاجتنا إلى ثورة
عربية ضد الأتراك تشتد يوما بعد يوم، لأن الوضع العسكري على جبهات
القتال لم يكن في صالحنا.
لم يكن هناك مف ر من التعامل مع الشريف حسين في ضوء الظروف
الجديدة، والخضوع – نسبيا – لشروطه، ومحاولة إرضائه . ولما كانت م سألة
الحدود هي العقدة التي اعترضت سير المفاوضات، فقد بدأت مراسلاتي معه
بالإشارة إليها.
الأمير فيصل عند مغادرته فندق
فيكتوريا في دمشق بعد مقابلة اللنبي في
أكتوبر (تشرين الأول) عام ١٩١٨
27
وفي أكتوبر (تشرين الأول) ١٩١٥ ، أرسلت ردي على رسالة الشريف
حسين، ذلك الرد الذي اعتبره المؤرخون أهم وثيقة دولية في تاريخ الحركة
القومية، واستخدمه العرب للتدليل على أننا لم نحفظ عهودنا معهم.
بدأت رسالتي بأن أكدت للشريف حسين أن بريطانيا ترغب في بحث
مسالة الحدود، وأن حكومتي تتعهد بأن تعترف باستقلال العرب في المنطقة
التي حددها الشريف، باستثناء أجزاء معينة من آسيا الصغرى والشام، وأنها
تتعهد – أيضا – بأن تدعم استقلال هذه الدول ة . وقد أشرت أيضا – في
مذكرتي للشريف حسين – إلى أربع مسائل أخرى غير مسألة الحدود:
- فقد تعهدت باسم حكومتي بأن نحمي الأماكن المقدسة من كل اعتداء
خارجي.
- وأعربت – باسمها – عن استعدادها لمساعدة العرب في إقامة نظام
حكم مناسب في المنطقة العربية التي ستستقل.
- واشترطت على العرب أن يستعينوا ببريطانيا – وحدها – في الحصول
على المستشارين والموظفين الأجانب.
مناطق تمسك الشريف حسين بأن تكون
جزءا من مملكة عربية خالصة، في حين وعدت
بريطانيا بدولة عربية مستقلة خارج هذه الحدود
تشمل العراق والشام وشبه الجزيرة العربية.
28
- واشترطت – أيضا – أن يكون لولايتي البصرة وبغداد نظام إداري
خاص.
وكنت أتوقع أن يرى الشريف حسين أننا منحنا كثيرا، لكنه فاجأني حين رد
علي في ٥ نوفمبر (تشرين الثاني) ١٩١٥ ، فقبل بعض التعديلات التي أدخلُتها
على خريطته الأولى، ورفض بعضه . وأثار مشكلة جديدة، فقد طلب أن تتعهد
بريطانيا بعدم توقيع صلح منفرد مع الألمان أو الأتراك، دون أن يكون العرب
طرفا فيه، وألا تترك العرب وحدهم – مهما تكن الأحوال – في م و اجهة جيوش
ألمانيا وتركيا معا، وأن تتعهد بالوقوف في صف العرب والدفاع عن قضيتهم في
أي مفاوضات للصلح . وقد أكدت له في ردي على رسالته الثالثة أن بريطانيا لن
ُتبرِم صلحا على أسس لا تكفل حرية الشعوب العربية.
استمرت مراسلاتي مع الشريف حسين فترة طويلة، وكان هنا ك ثماني
رسائل أساسية – من تلك المراسلات – اتفقنا فيها على شروط التحال ف . ولم
تتضمن الرسائل كثيرا من الأعمال الحربية التي وعد الشريف حسين بالقيام
بها ضد الأتراك، لكن الشريف كان يعرف أن عليه أن يستخدم جميع قوته
ونفوذه، مع حشد جميع الموارد المالية التي يستطيعه ا ليهزم تركي ا. وكان
مفهو ما – أيضا – أننا سنساعده، ونكمل النقص في موارده، سواء كانت
سلاحا أو ذخيرة أو ما ً لا.
وفي هذه الرسائل الثماني، وردت كل شروط المخالفة بينا وبين العرب،
فقد التزم الشريف بإعلان الثورة العربية، والتنديد بالأتراك علًنا، ووصفهم
بأنهم أعداء الإسلام. أما نحن، فقد تعهدنا صراحة بتعهدين واضحين:
الأول: الاعتراف بالخلافة العربية في حالة قيامها.
الثاني: الاعتراف باستقلال العرب ضمن منطقة معينة، وحماية هذا
الاستقلال.
وأعرف أن العرب لن يقبلوا عبارة الاستقلال ضمن (حدود معين ة )،
وسيسارعون ويبرزون خرائط هم، ويقدمون نصوص المراسلات التي
يزعمون أنني وافقت فيها على حدود الدولة التي وعدت بمنحها الاستقلال بعد
الحرب. ولست أريد هنا أن أدخل لي جدل حول النصوص، لأن المسألة –
منذ البداية – كانت مصالح الإمبراطورية، وهي عندي قبل أي وعد، وفوق
أي اتفاق أو تصريح.
29
إن أحدا لن يفهم معركة الحياة والموت التي كان على بريطانيا أن تدخلها،
لكي تخرج من الحرب دون أن تفقد مستعمرة من مستعمراتها أو منطقة من
مناطق نفوذها، إلا هؤلاء الذين ُقدر لهم أن يكونوا على مقربة من وزارة
الخارجية البريطانية ومن القيادة العسكرية لقوات الحلفاء مثلي.
وحين ُ خيل إلي أن كل شيء قد تم على ما يرام، نبهتني وثائق وزارة
الخارجية البريطانية إلى شيء خطي ر . ذلك أن تركيا لم تكن همنا وحدنا،
وكما جلس كتشنر يشرح لي بإفاضة أهمية أن نلعب دو را ما لتقليل فاعلية
تركيا في الحرب، كانت وزارات الخارجية في الدول الحلي فة لنا تفعل الشيء
نفسه، وتفكر في تركيا، وتحلم بأن تأخذ نصيبها فيها، وتشارك في اقتسامها
بعد الحرب.
ومنذ بداية الحرب، أخذ الروس يتحدثون عن رغبتهم في أخذ القسطنطينية
والمضايق، وطالب الفرنسيون بسوري ة . أما نحن، فقد كنا في حاجة شديدة
إلى طرق برية تتوفر لنا إذا أخ ذنا العراق. وطالب الإيطاليون بأجزاء من
آسيا الصغرى، وكان ذلك كله يدور همسا حتى لا يستخدمه الأعداء، فيثيرون
شعوب تلك البلاد على الحلفاء.
دفع الاتفاق – الذي توصلت إليه مع الشريف حسين – وزارة الخارجية
البريطانية لمحاولة جس نبض حلفائها، حتى لا يتدهور الموق ف أو تتضارب
الحقوق. واقتضت الحصافة السياسة ألا تذكر وزارة الخارجية شيئًا عن
اتفاقي مع الشريف حسين، وخاصة أمام الفرنسيين، إذ كانوا لا يكفَّون عن
القول بأن لهم حقوًقا تاريخية في بلاد الشام.
وبدأت المفاوضات حول الموضوع بين باريس ولند ن . اقتصرت في البداية على
الذي كان مستشارًا – (Marks Sykes) بريطانيا وفرنسا. وقام ماركس سايكس
لشئون الشرق الأوسط في وزارة الخارجية البريطانية بتمثيلنا في تلك المفاوضات،
.(George Picot) ومثَّل فرنسا المسيو جورج بيكو
كانت المفاوضات عسيرة وصعب ة . وكان مستحيلاً التوفيق بين ما وعد ُ ت
به العرب في رسائلي للشريف حسين، وبين ما تطالب به فرنسا بالذا ت . ولم
نكن نستطيع أن نكشف كل أوراقنا، أو نتجاهل حليفتنا فرنسا، في الظروف
الصعبة التي كانت تمر بها الحرب.
30
أصر جورج بيكو – مندوب فرنسا – خلال المفاوضات على أن بلاده
تطلب بلاد الشام بأكمله ا. ولما كانت فلسطين جزءا من الشام، فقد ألح
الفرنسيون على أن تكون من نصيبهم . وقال بيكو: "إن الفصل بين المنطقة
جغرافيا صعب، بل يكاد يكون مستحيلاً".
عارض سايكس بشدة، وأعلن أن بريطانيا تريد خليج (عكا – حيفا) ليكون
لنا منفذًا يصل العراق بالبحر المتوسط، فتتصل الأجزاء المخصصة لنا طبًقا
للاتفاقية، وقال بوضوح : "إن بريطانيا لن توافق على وجود قوات فرنسية في
فلسطين على مقربة من السويس".
وعندما تعثَّرت المفاوضات، سافر سايكس وبيكو إلى بطرسبرج ليجتمعا
بمندوب عن وزارة الخارجية الروسية، ويتفاوضا معه بشأن مطالب روسيا
القيصرية في أملاك تركيا، لكن المندوب الروسي جعل الموقف بالغ التعقيد،
فقال: "إن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية لها مدارس وأديرة ومواقع مقدسة في
أنحاء فلسطين، وخاصة في الناصرة ونابلس والخليل".
وحين انتهت المفاوضات بعد مجهود عنيف، اتفق المندوبون الثلاثة على
أن تأخذ فرنسا ال قسم الأعظم من سورية، وحصة من جنوبي الأناضول. أما
حصتنا، فقد شملت شريطًا من أقصى جنوبي سورية عبر العرا ق . وهناك
ينتشر الشريط كالمروحة ليشمل بغداد، والبصرة، وكل المنطقة الواقعة بين
خليج العرب وحدود المنطقة المخصصة لفرنسا، وهي تضم ميناءي حيفا
وعكا، وجزءا صغيرا داخل الساحل.
وكانت فلسطين هي المشكلة المعقدة التي واجهت المندوبين الثلاثة في
عكا
كاندرائية الروس في القدس
المفاوضات، فالفرنسيون يرونها من حقهم لأنها امتداد للشام، ونحن
نريدها لنحمي قناة السويس، والروس يقولون بأن لهم أماكن مقدسة فيه ا. ولم
يكن هناك حل إلا أن نشترك نحن الثلاثة فيها، فوافق المندوبون الثلاثة على
أن توضع تحت إدارة دولية.
وهكذا، انتهت المفاوضات المجهدة، ووقع سايكس، وبيكو، والمندوب
الروسي المعاهدة في سرية تامة . ولم يعرف أحد شيئًا عنها إلا من يعنيهم
الأمر في وزارات خارجية الدول الثلا ث . ومع أن الاتفاقية قد وقِّعت في ربيع
عام ١٩١٦ ، فإن أحدا لم يسمع بها إلا عندما سقط الحكم القيصري في
روسيا، وأعلن الثوار انسحابهم من الحرب، وأذاعوا نصوص الاتفاقيات
السرية التي وقعها الحلفاء خلالها، ومن بينها معاهدة (سايكس – بيكو).
وعندما انتهت الحرب، كنت عضوا في الوفد الذي مثَّ ل بريطانيا في
مؤتمر الصلح، وسمعتُ العرب وهم يهاجموننا، ويتهموننا بالخديعة والكذب
والنفاق، لأني وعدت الشريف حسين بأن يستقل بدولة تضم الجزيرة العربية
والشام والعراق، مقابل مساندتهم لنا في الحرب، في الوقت الذي كان سايكس
يتفاوض مع بيكو، ويوافق على منح الشام ل فرنسا. وما كاد سايكس ينتهي من
ذلك، حتى شارك في المفاوضات التي انتهت بصدور وعد بلفور الذي أقر
بحقِّ اليهود في أن يأخذوا فلسطين.
32
وإبان انعقاد مؤتمر الصلح، قال لي أحد الساسة العرب : "كيف تعطي
بريطانيا ثلاثة وعود متناقضة في ثلاثة أعوام؟".
لم أرد. كن ُ ت أثق بأنه لن يفهم . كانت الإمبراطورية البريطانية في خطر، وقد
عِشْ ُ ت حياتي أدافع عنها، وأحلم بالعلم البريطاني وهو يرفرف فوق
مستعمراتها. ولم أكن مستعدا لأن أقطع على نفسي وعدا ينتهي بأن نخسر
أر ضا كسبناها بالقتال . ولولا أننا فعلنا ما فعلناه لَقضى علينا حلفاؤن ا
الفرنسيون، إذا لم يهزمنا أعداؤنا الأتراك والألمان.
عندما طال صمتي، قال الزعيم العربي دهشً ا: "ماذا تتوقع أن يقول
المؤرخون عنكم؟".
بهدوء قلت: "أفضل أن يقولو ا: هذا رجل خدم الإمبراطورية، على أن
يقولوا هذا رجل منح العرب استقلالهم".
نطقة تحت النفوذ البريطاني
منطقة تحت النفوذ الفرنسي
منطقة تحت النفوذ الدولي
خريطة تبين مناطق النفوذ التي
حددتها اتفاقية سايكس - بيكو
ولِد ُ ت في بريطانيا عام ١٨٦٢ . وفي الحادية والعشرين من عمري
التحقت بالجيش البريطاني، ونِلْ ُ ت شرف العمل في خدمته، وقضيت معظم
سنوات حياتي العسكرية والسياسية في الشرق الأقصى، أرعى مصالح وطني
ومستعمراته، وأتابع عن قرب الصراع بيننا وبين فرنسا وروسيا وألمانيا في
تلك المنطقة المهمة من العالم.
وعلى كثرة المشاكل التي واجهتني خلال عملي بالهند، فقد كانت أسهل
بكثير من تلك التي كان علي أن أواجهها، عندماعين ُ ت معتمدا بريطانيا في
مصر. فمنذ وصولي إلى القاهرة، وجدت نفسي طرًفا في القضية العربية،
واكتشفت – بعد قليل – أنها واحدة من أكبر مشاكلنا، فبذلت كل جهدي لكي
أخدم العلم البريطاني الذي أقسمت على الولاء له، وضمنت لبريطانيا وجودا
حقيقيا في منطقة من أهم مناطق العالم، وهو أمر لا ينجح فيه رجل ناقص
الخبرة، أو قليل المعرفة، كما قال بعض خصومي من السياسيين البريطانيين.
ولس ُ ت أريد هنا أن أدافع عن نفسي، لكني أود أن أشرح الظروف التي
أحاطت بنا خلال الحرب العالمية الأولى، وأّثرت في رسم سياستنا تجاه
الأقطار العربية التي كانت تحت السيادة التركية، وهي سياسة ُقم ُ ت بالخطوة
الأولى فيها، حين تبادلت مع الشريف حسين – أمير مكة – مجموعة من
الرسائل، كانت محلّ جدل ونقاش وخلاف بعد الحرب.
كنت في الهند، عندما نشبت الحرب العالمية الأولى . وقد أدركت – من
الفور – أن إمبراطوريتنا في خطر، وأن بريطانيا ستكون مضطَّرة للحرب
على جبهات متع ددة. لم يكن علينا أن نحارب – فحسب – أعداءنا الألمان
والنمساويين، بل كان علينا أيضا أن نتنبه لأطماع حلفائنا الفرنسيي ن
آرثر هنري مكماهون
(١٩٢٠ – ١٨٦٢)
سياسي وعسكري وبريطاني من
أصل أيرلندي.
ولد في لندن، والتحق بالجيش
. عام ١٨٨٣
عمل في أفغانستان، وإيران،
والهند.
عين معتمدا بريطانيا على مصر
. سنتي ١٩١٥ و ١٩١٦
كان مندوبا بريطانيا لشئون
الشرق الأوسط في مؤتمر الصلح
. بباريس عام ١٩١٩
والروس. كانت التجربة قد علمتني أن أي تحالف بين دول أوربا هو
تحالف مؤقت، من أجل هدف محد د . وكنت أثق بأن الخلاف سينشب بين
الحلفاء، بمجرد أن تنتهي الحرب حين يجيء أوان توزيع المكاسب، واقتسام
المستعمرات. ولم أستبعد أن يلجأ بعض حلفائنا للمؤامرات والدسائس – حتى
أثناء الحرب – ليضمنوا لأنفسهم نصيبا أكبر من غنائمها.
ومع أن التفكير في تلك الأمور قد شغلني بعض الوقت، فإنه لم يصبح
همي الملِح إلا عندما صدر قرار بتعييني معتمدا بريطانيا في مصر، بعد
أسابيع قليلة من نشوب الحرب وشاء حظي أن أخلف – في هذا المنصب –
(Lord Horatio Herbert قائدا بريطانيا شهيرا هو اللورد كتشنر
وكان اللورد يقضي عطلته السنوية في بريطانيا، عندما ن ش بت .Kitchener)
(Asquith) الحرب، فأسرع بالمغادرة متجها إلى القاهر ة. لكن رئيس الوزراء
طلب إليه العودة ليتولَى منصب وزير الحربية.
وعندما صدر قرار وزارة الخارجية البريطانية بأن أخلف كتشنر في
منصبه، آثرت أن ألتقي به قبل أن أقوم بأي شيء آخ ر . ولم يكدي مرور وقت
قصير على لقائنا، حتى أدركت أنني أمام رجل يفهم مصالح بريطانيا،
ويحرص عليها. وقد حضر اجتماعنا السكرتير الشرقي لدار الاعتماد
ومع أن .(Sir Ronald Storrs) البريطاني في القاهرة السير رونالد ستورز
كتشنر كان مشغو ً لا بشئون الجيش، فإنه أعطانا وقًتا طويلاً، وعرض أفكاره
قوات كثيرة في منطقة الكرنك تستعد للتوجه إلى الخرطوم لقمع ثورة المهدي
هوراشيو فربرت كتشنر
(١٩١٦ -١٨٥٠)
قائد عسكري وسياسي بريطاني.
كان أحد الضباط البريطانيين
الذين دخلوا الجيش المصري بعد
. الاحتلال عام ١٨٨٣
عين حاك ما للسودان الشرقي
.(١٨٨٨ – ١٨٨٦)
عين قائدا للجيش المصري عام
١٨٩٢ . وقمع الثورة المهدية في
السودان. وعين حاكما عاما له.
عين قنص ً لا عاما بمصر ( ١٩١١
.(١٩١٤ –
عين وزيرللحربية البريطانية
أثناء الحرب العالمية الأولى.
هربرت أكسويث
رئيس وزراء بريطانيا
ببساطة، واستعان في توضيح بعض ما يقول بخريطة ضخمة للإمبراطورية
العثمانية
قال كتشنر، وهو يشعل غليونه، وينظر إلى المطر الذي كان يتساقط
بغزارة على نوافذ مكتبه بوزارة الحرب : "إن مشكلة الحرب الآن هي تركيا،
ومن وجهة النظر العسكرية والسياسية، فإن الح لفاء يستطيعون الانتصار لو
ضمنوا أن تركيا لن تدخل الحرب في صفِّ الألمان".
صمت كتشنر برهة، فقلت لكي أكسر حاجز الصمت : "لكن الأتراك أعلنوا
وقوفهم على الحياد.. وصدر بيان بذلك فع ً لا".
لاحت ابتسامة خفيفة على وجه كتشنر العسكري الصارم، وقا ل : "أنت تعلم
أن الألمان يس يطرون على كل شيء في تركيا، الاقتصاد، والمواصلات،
والحكومة، وحتى الجيش . والحياد الذي أعلنته تركيا لم يخدعنا أو يخدع أحدا
من حلفائنا، والشيء المؤكد أن دخول الأتراك الحرب ضدنا مسألة وقت".
المعتمدية البريطانية في القاهرة
المعتمد البريطاني
كان ممثل بريطانيا في مصر
يحمل لقب (قنصل بريطانيا
العام)، حتى وقع الاحتلال
البريطاني، فأصبح اسمه (المعتمد
البريطاني). وبعد صدور
تصريح فبراير (شباط) ١٩٢٢
الذي منح مصر استقلا ً لا ذاتيا،
أصبح يطلق عليه (المندوب
السامي البريطاني). وبعد
انسحاب الجيش البريطاني من
المدن إلى منطقة قناة ا لسويس
تطبيقا لمعاهدة ١٩٣٦ – حمل
ممثل بريطانيا لقب (السفير).
19
وتحرك كتشنر من مقعده، وقال وهو يشير إلى الخريطة بمؤشر في يد ه:
"إن دخول الأتراك الحرب كارثة ينبغي أن نحسب لها كل حساب، فهم
يسيطرون على العراق والشام وشبه الجزيرة العربية، ويهددون حقول النفط
التي تملكها الشركة الإنجليزية – الإيرانية على رأس الخليج العربي،
ويحرمون غواصتنا من الوقود، ووجودهم في شبه الجزيرة العربية يهدد
شاطئ البحر الأحمر، وسيطرتهم على الشام تسهل وصولهم إلى قناة السويس
عبر فلسطين وصحراء سيناء . ومعَنى ذلك كله أنهم يستطيعون حصارنا،
والقضاء على قواتنا البحرية، وقطع شرايين مواصلاتنا".
واستدار كتشنر عائدا إلى المنضدة الصغيرة التي تحّلقنا حوله ا. كانت
الأفكار التي عر ضها من البساطة، بحيث دهشت لأنها لم َترِ د في رأسي قبل
ذلك. وأدركت أنني كنت أنظر إلى الوجه الآخر من الصورة، فمعظم القسم
العربي من الإمبراطورية التركية كان قد وقع بين أيدي الأوربيين، فاحتل
الفرنسيون الجزائر عام ١٨٣٠ ، ثم تونس عام ١٨٨١ ، واستولينا نحن على
السودان عام ١٨٩٩ ، وأخذ الإيطاليون ليبيا سنة ١٩١١ . لكن ذلك – في رأي
كتشنر – لم يكن كافيا، لكي نطمئن على سير الحرب.
وحين ذكرت له أن وجود الحلفاء – في كل تلك الأقطار – يمكن أن
يوازن الأخطار التي قد تأتي من العراق وسورية وشبه الجزيرة العربية،
قال: "لا َتنْس أن كل الأقطار التي استولَى عليها الحلفاء ما زالت تحت
السيادة الاسمية لسلطان تركيا، وهو في الوقت ذاته خليفة المسلمي ن . ويوم
يدخل الأتراك الحرب، سيعلن الخليفة الجهاد المقدس ضدنا، فيثور العرب
المسلمون في تلك الأقطار، ونتلقَّى مدافع الألمان بصدورنا، وسيوف العرب
في ظهورنا".
وفي نهاية المقابلة، قال لي كتشن ر : "سوف يكون للمعتمد البريطاني في
القاهرة دور مهم في تأمين مصالح بريطاني ا. والنقطة الأساسية في ذلك، هي
شركة البترول الإيرانية
البريطانية
شركة بريطانية لتكرير ونقل
النفط، أسست عام ١٩٠٩ في
مدينة عبدان الإيرانية على
شاطئ الخليج العربي.
كانت واحدة من أكبر مراكز
ضخ النفط في العالم، وكانت
تنقل ٥٠٠ ألف برميل في اليوم.
نقل الزعيم الإيراني محمد
مصدق ملكيتها للدولة عام
١٩٥٠ ، وتوقفت ثلاث سنوات
عن الضخ حتى تولت مجموعة
شركات عالمية استغلالها من
. جديد عام ١٩٥٤
ميناء عبدان في إيران، حيث أقامت
شركة البترول الإيرانية البريطانية
أكبر مصفاة للنفط في العالم، عام
.١٩١٣
حرمان الأتراك من القيام بدور فعال في الحرب . وسوف يشرح لك ستورز
ما لديه من تفاصيل".
وحين اجتمعت بعد ذلك مع ستورز، وقرأت التقارير المتعلقة بالموضوع،
استطعت أن أفهم اتجاه تفكير كتشنر.
كان العرب هم المفتاح السحري لأهم مشاكل الحلفاء مع تركي ا. فهل أهل
البلاد التي يحتلها الأتراك، فإذا ثاروا عليهم، عجز الأتراك عن تهديد قناة
السويس، ولم يجد خليفتهم أذًنا تصغي إليه، عندما يعلن القتال المقدس،
وضمن الحلفاء الهدوء على أهم جبهاته م.
اختار كتشنر أن يضرب تركيا من أكثر الأماكن ملاءمة لتوجيه الضربة،
وهي شبه الجزيرة العربية، وعلى وجه التحديد من مكة . ومع أن شبه
الجزيرة كانت تابعة لتركيا، فإن أمير مكة – الشريف حسين بن علي – كان
نم ً طا مختلًفا عن بقية حكام شبه الجزيرة، إذ كان يسيطر على قبائل قوية
جعلت له استقلا ً لا شبه ذاتي . وكان موقعه من الناحية العسكرية والسياسية
بالغ الأهمية، فهو يقف بجيشه القبلي وسط القوات التركية في شبه الجزيرة
العربية، فيستطيع أن يضرب قلبها، ويقطع خطوط مواصلاتها، ويمن ع ها من
أي محاولة للهجوم على قوات بريطانيا في مصر . وله فوق هذا مكانة فريد
في العالم الإسلامي، فهو حفيد نبي المسلمين، وهو القيم على الأماكن
الإسلامية المقدسة في مكة والمدينة.
ومن حسن الحظ أن الابن الأوسط للشريف حسين – الأمير عبد الله –
كان معجبا إلى حد م ا بالسياسة البريطانية . وقبل الحرب بعدة أشهر، وصل
الأمير إلى القاهرة في طريقه إلى إستانبول، حيث كان يمثل إمارة مكة في
مجلس المبعوثان (النواب) التركي، وزار اللورد كتشنر – المعتمد البريطاني
وقتها – للتحية. لكن الزيارة كشفت عن اتجاه جديد في تفكير الأمير.
وصف عبد الله لكتشنر العلاقات السيئة بين والده وبين الأتراك، وألمح
إلى أن الثورة ضدهم قد تنشب في أي وقت، إذا عزل الأتراك والد ه. وأشار
من طرف خفي إلى أن ذلك يتوقف على مدى المساعدة التي تقدمها بريطانيا
للشريف، لكي يثور ضد الأتراك.
ولم يتكلم كتشنر، واستكمل عبد الله – في اليوم التالي – مناقشاته
رونالد ستورز
(١٩٥٠ – ١٨٨١)
سياسي بريطاني درس في
بريطانيا، وتعلم اللغة العربية.
عمل موظًفا بوزارة المالية
المصرية عام ١٩٠٩ ، ثم سكرتيرا
شرفيا لدار الاعتماد البريطاني في
مصر.
عين إبان الحرب العالمية الأولى
ضابط اتصال في بغداد.
انتقل إلى وزارة الحرب
البريطانية عام ١٩١٧ ، وعين حاكما
عسكريا للقدس.
كان عضوا في عدة هيئات
بريطانية عربية، منها الغرفة
التجارية البريطانية المصرية، ولجنة
حفظ الآثار العربية بالقاهرة، وهيئة
التنقيب الفلسطينية.
. عين حاك ما لقبرص عام ١٩٢٦
21
مع السير رونالد ستورز، لكن السكرتير الشرقي لدار الاعتماد ظل متحفظًا،
فلم يكن قد جد شيء بعد، يتطلب تغيير سياستنا تجاه تركيا.
وفي الأسابيع الأوَلى لنشوب الحرب، تحركت الفكرة من جدي د . فكتب
ستورز رسالة للأمير عبد الله، ذ ّ ك ر ه فيها بلقائهما في بداية العام بالقاهرة، وما
دار بينهما من نقاش . وفي نهاية الرسالة، طلب ستورز أن يعرف موقف
شريف مكة إذا دخلت تركيا الحرب، هل يقف في صفِّها، أم يناصر بريطانيا
العظمى؟
لم يكن رد الأمير عبد الله على رسالة ستورز مشجعا، فقد قال إن الشريف
حسين راغب في الوصول إلى تفاهم مع بريطانيا العظمى، ولكنه مع ذلك
مضطر للوقوف على الحياد، لأنه لا يستطيع أن يخرج علًنا على الخليفة
. التركي، بسبب مركزه الديني، باعتباره أحد أحفاد الرسول
وفهم ستورز أن الشريف حسين يبدي استعدادا للتعاون، لكنه يسأل عن
الشروط. وهنا تدخل اللورد كتشنر وزير الحربية البريطانية، فأرسل تعهدا
بريطانيا يضمن للشريف حسين حكم مكة، واحتفاظه بجميع حقوق هذا
ضباط أترك وألمان في القدس
فرض عين
الفرض في الشريعة
الإسلامية هو السلوك الواجب
الاتباع بتعليمات القرآن، وفرض
العين هو الفرض الذي يجب أن
يؤديه كل مسلم.
المنصب وامتيازاته، وتعهدت بريطانيا بحمايته من كل اعتداء خارجي، في
حالة وقوفه وأتباعه إلى جانبها ضد الأتراك . وختم كتنشر رسالته بتلميح
يشير إلى أن بريطانيا ستؤيد الشريف حسين، إذا رشِّح خليفة للعرب
والمسلمين.
كانت وعود كتشنر مؤثرة، أخرجت الشريف حسين عن تحفظ ه . وأسرع
ابنه الأمير عبد الله بالكتابة لستورز، مؤكدا أن ال شريف سيثور على
الأتراك، لكنه لا يستطيع القيام بأي عمل عدائي ضدهم قبل أن يستك م ل
استعداداته. وطلب إمهاله بعض الوقت لكي يتبين الموقف، ويجمع قواته.
وفي نوفمبر (تشرين الثاني) ١٩١٤ ، دخلت تركيا الحرب، وحدث ما كنا
نخشاه، إذ أصدر شيخ الإسلام التركي فتوى أعلن فيها أن الجهاد قد أصبح
(فرض عين) على جميع المسلمين الذين يعيشون تحت حكم بريطانيا العظمى
وفرنسا وروسيا، وأن عليهم أن يتَّحِدوا لمقاومة هذا الدول الثلا ث ، عدوة
الإسلام، وأن يحاربوها ويحاربوا حلفاءه ا. وعبر الحدود تسللت ملايين
المنشورات التي تحمل هذه الفتوى إلى المسلمين في مصر، والسودان،
والبلاد الإفريقية الأخرى.
وعندما تسلمت مهام منصبي في يناير (كانون الثاني ) ١٩١٥ ، كانت
الاتصالات بين ستورز وعبد الله قد توّقفت . وكان ستورز مشغو ً لا بالتفاوض
مع الزعماء العرب المقيمين في مصر، وفي مقدمتهم عزيز علي المصري،
(Sir Regnald والشيخ رشيد رضا. وكان السير رجنالد ونجت
الحاكم البريطاني للسودان – يتباحث مع الزعماء هناك. – Wingate)
كان الموضوع – في كل تلك المباحثات – هو محاولة إقناع العرب بأن
مستقبلهم رهن بالتحالف مع بريطاني ا. وبعد أن درس الزعماء العرب رسائل
كتشنر للشريف حسين، أعلنوا أنها غير كافية، وطالبوا بضمانات تكفل
استقلال دولة عربية أوسع نطاقًا من إمار ة مكة، قبل أن يقوموا بأي شيء
ضد الأتراك.
وكان لابد أن نواجه الموقف، فكلفني مجلس الوزراء البريطاني بإصدار
بيان عام يهدئ مخاوف المسلمين . وقد قل ُ ت – في بياني هذا – إن بريطانيا
العظمى تتعهد بأن ينص أحد بنود معاهدة الصلح على الاعتراف بشبه جزيرة
العرب دولة مست قلة ذات سيادة تامة على أماكن المسلمين المقدس ة . وأشرت
رجنالد ونجت
(١٩٣٥ – ١٨٦١)
قائد عسكري، وسياسي
بريطاني.
كان قائدا للجيش المصري
– وحاكما عاما للسودان ( ١٨٩٩
.(١٩١٦
رأس أركان العمليات الحربي ة
.(١٩١٩ – في الحجاز ( ١٩١٦
عين مندوبا ساميا على مصر
.(١٩١٩ – ١٩١٧)
23
في بياني إلى أن الحكومة البريطانية على استعداد للترحيب بقيام خلافة
عربية.
نشرت بياني في أوائل شهر يونيو (حزيران) ١٩١٥ ، وطبع في منشورات
و زعت بأعداد كبيرة في جميع أنحاء مصر والسودان، وهرب بعضها إلى
الشام، وألقت الطائرات البريطانية عشرات الآلاف من نسخه على مدن
الجزيرة العربية.
كان بياني خطوة أخ رى إلى الأمام، بعد التعهدات التي أرسلها كتشنر
للشريف حسين، ووعده فيها بحماية إمارة مكة من أي اعتداء خارج ي . فقد
وعد ُ ت في البيان الجديد بأن تعترف بريطانيا بقيام د و لة مستقلة في جزيرة
العرب كلها وبتأمين سلامته ا. لكن ذلك لم يرضِ العرب، وقالوا إن التعهد
الذي قدمناه لا يشمل استقلال بلاد الشام والعراق، واقتصر على شبه جزيرة
العرب وحدها.
................................................
................................................
مضت سبعة شهور، قبل أن يستأنف الشريف حسين مراسلاته معنا،
وكنت قلقًا لانقطاع اتصالاته، ولم أدرك السر في انقطاعها
إلا بعد ذلك بوقت طويل . وحين وصلت إلي أوَلى رسائله مع الشيخ محمد
عارف – وهو أحد العلماء الذين يثق بهم الشريف – أدركت أن تغيرمهم ا
قد حدث في أفكار أمير مكة، وأن مطالبه قد تجاوزت حدود إمارة مكة،
ليطالب بدولة عربية تضم المشرق العربي كله.
لم تكن المذكرة مؤرخة، بل لم يكن عليها أي توقيع، مبالغة في الحر ص .
وقد بدأت بمقدمة تؤكد تصميم الأمة العربية على نيل استقلالها السياسي،
وتعرب عن اعتق اد العرب بأن المصالح بينهم وبين بريطانيا متبادلة، ثم
أخذت المذكرة تعدد الشروط التي يتمسك بها الحسين لكي يستطيع أن يشترك
باسم الأمة العربية في حلف مع بريطانيا العظمى لتحقيق تلك الغاية، وكان
على رأسها:
أن تساعد بريطانيا في استقلال دولة عربية – رسمت المذ ك رة حدودها
بدّقة – تضم العراق، والشام (سورية ولبنان وفلسطي ن )، وشبه الجزيرة
العربية.
24
* وأن تضمن إلغاء جميع الامتيازات الأجنبية التي منحت للأجانب
بمقت ضى نظام الامتيازت الأجنبية في كل أرض الدولة الجديدة.
وقال الشريف في رسالته إن العرب يتعهدون – في مقابل ذلك – بعقد
معاهدة دفاعية بين الدولة المستقلة وبريطانيا، ويتعهدون بتقديمها على غيرها
في المشروعات الاقتصادية التي تتطلب خبرة أجنبية.
وحين تأملت الخريطة، أدركت أن المساحة التي يطالب العرب بها أوسع
مما تستطيع بريطانيا أن تستغني عنه . فنحن لم ندخل الحرب لكي نمنح
العرب الاستقلال، لكننا دخلناها لكي نحمي مستعمراتنا من مطامع الألمان
والنمساويين. وقد كنا على استعداد لمنح الشريف حسين استقلا ً لا في حدود
إمارة مكة، أو حتى شبه الجزيرة العربية كلها، أما أن نمنح الاستقلال لدولة
عربية تضم العراق والشام وشبه الجزيرة، فمعنى هذا أننا نضع بذور دولة
أكبر من دولة محمد علي، ستكون خطرا على مصالحنا أضعاف ما كان.
وفي ٣٠ أغسطس (آب) ١٩١٥ ، أرسلت ردي إلى الشريف حسين، وقد
صغته في أسلوب مرن، لم يتضمن ردا صريحا بالقبول أو الرفض، واكتفي ُ ت
بأن كررت التعهدات العامة التي تعهد بها اللورد كتشنر – من قبل –
للشريف حسين. وهربت تماما من الالتزام الذي أراد الحسين أن نتعهد به،
وهو تحديد حدود الدولة العربية التي تتعهد بريطانيا بمنحها الاستقلال.
وجاء رد الشريف حسين على رسالتي قاطعا، فقد تمسك بمسألة الحدود،
واعتبرها كل شيء . وقال إن اقتراحه الخاص – بتحدي د حدود المنطقة
العربية المستقلة – قد قوبل بغموض وبرود وتردد . وأكد أن المقترحات
ليست صادرة عنه وحده، لكنها مقترحات شعب بأسره. وختم رسالته مؤكدا
أن قضية الحدود يجب أن ُتعَتبر مسألة أساسية، إذ إن الشعب العربي كله
يعتبرها أساس أي اتفاق، وأن نتيجة المفاوضات مع ي متوقفة على موافقتي أو
رفضي لقضية الحدود المقترحة.
وضعني رد الشريف حسين في مأزق حرج، فقد خيرني بين الموافقة
الواضحة أو الرفض الصريح، وهو ما لم تكن مصالح بريطانيا تسمح ب ه . فلم
نكن نستطيع أن نوافق على ما يطالب به الشريف، فنحن في حاجة للعراق،
والفرنسيون يريدون الشام.
ولم تكن لدينا معلومات كافية حول قوة الشريف، وكان ستورز يرى أن ما
يستطيع الرجل أن يفعله للحلفاء قليل، وأن نفوذه قاصر على شبه الجزيرة
العربية، فلماذا يطالب بالشام والعراق؟
وقبل أن أرد على الرسالة اكتشفت سر انقطاع الاتصال بيننا وبين
الشريف حسين سبعة شهور، وعرفت لماذا تشدد في مطالبه.
أسر رجالنا ضاب ًطا عراقيا اسمه محمد شريف الفاروقي، كان قد تسلل
عبر الحدود. وخلال التحقيق معه، عرفنا أنه تع مد تسليم نفسه، لأنه من
أعضاء (جمعية العهد)، وهي الجناح العسكري لجمعية (العربية الفتاة) التي
اتخذت دمشق مقرا لها.
وكانت (العربية الفتاة) واحدة من أكبر الجمعيات القومية التي تعمل من
أجل استقلال العرب عن تركيا، تضم مدنيين من الشام والعراق ومص ر .
وكان لها جناح عسكري يضم الضباط العرب في الجيش التركي، وخاصة
في الحامية التركية التي ترابط في دمشق.
وعلمنا من الفارو قي أن الجمعية أرسلت – في بداية الحرب – رسو ً لا إلى
شريف مكة، أنبأه بأن دمشق مركز لحركة ثورية قومية تضم الشام والعراق،
ويقف في صفِّها عدد كبير من الضباط العرب في الجيش التركي، وأنها
تطلب موافقة الشريف حسين على قيادتها وتزعمها، وتستأذنه في أن يستقبل
وفدا من الجمعية في مكة، أو أن يرسل إلى دمشق مندوبين عنه للاتفاق على
مراحل التنفيذ.
أرسل الشريف حسين ابنه الأكبر الأمير فيصل إلى دمشق، فاجتمع بممثلي
جمعية (العربية الفتاة)، وشرحوا له أهدافهم، فقالوا إنهم يدبرون للثورة على
الأتراك، وإعلان الاستقلال عن تركي ا. وكشفوا لفيصل عن أن ضباط القسم
العسكري للجمعية سيقودون جنودهم العرب في الوقت الذي يحدده قائد
الثورة، فينقضون على قوات الاحتلال التركي، ويعلنون الاستقلال.
وعرض الأمير فيصل – في تلك الاجتماعات – اتصالات ستورز بأخيه
الأمير عبد الله، وشرح الوعود التي قدمها كتشن ر لوالده. لكن زعماء (العربية
الفتاة) رفضوا قبول العروض البريطانية، وقالوا إنها أقل بكثير مما يريدون،
ووضعوا ميثاقًا بالشروط التي يطالبون بها لكي يقفوا
جمعية (العربية الفتاة)
جمعية عربية سرية تعرف
ب (الفتاة).
أسست في باريس عام
١٩١١ ، بهدف العمل من أجل
استقلال العرب، وتحريرهم من
الحكم العثماني وكل أنواع الحكم
الأجنبي.
كانت أول جمعية تط الب
بالاستقلال الكامل، وليس الحكم
الذاتي للعرب ضمن
الإمبراطورية.
انتقل مقرها إلى بيروت ثم
. إلى دمشق عام ١٩١٣
جمعية (حزب) العهد
حزب سياسي عربي، أسسه
الفريق عزيز علي المصري في
مدينة إستانبول، وكان يضم
العسكريين العرب في الجيش
العثماني.
كانت أهدافه: الاستقلال
الداخلي، وتشكيل جيش عربي،
وأن تكون لغة الجيش هي
العربية.
تزعم كثير من أعضائه
السابقين قيادة العمليات في
الحجاز وسورية والعراق.
26
معنا ضد تركيا، عرِف فيما بعد ب (ميثاق دمشق).
وكان هذا الميثاق يتضمن أربع نقاط، اثنتان منها تعهدا ت بريطانية،
والأخريان تعهدات عربية . وحين أطلعنا الفاروقي على بنود الميثاق، اكتشفت
أنها هي التي وردت في آخر رسائل الشريف حسين لي.
وهكذا، اكشتفت سر توّقف مراسلات حسين، وعرفت لماذا تشدد في
مطالبه، وتحول من أمير يطلب الحفاظ على عرشه إلى ثائر يقود حركة لها
فروع في دمشق وبغداد، فاتسعت مطامحه وتجاوزت أحلامه حدود شبه
الجزيرة لتصل إلى العراق والشام.
وكان ذلك تغيرا جوهريا في الموقف، فلم َن عد في حاجة إلى دفع الشريف
للتمرد على الأتراك ليشغلهم عن القيام بعمل عسكري ضدنا فحسب، لكن كان
علينا أيضا أن نحول بينه وب ين التحالف مع الأتراك، وكانت حاجتنا إلى ثورة
عربية ضد الأتراك تشتد يوما بعد يوم، لأن الوضع العسكري على جبهات
القتال لم يكن في صالحنا.
لم يكن هناك مف ر من التعامل مع الشريف حسين في ضوء الظروف
الجديدة، والخضوع – نسبيا – لشروطه، ومحاولة إرضائه . ولما كانت م سألة
الحدود هي العقدة التي اعترضت سير المفاوضات، فقد بدأت مراسلاتي معه
بالإشارة إليها.
الأمير فيصل عند مغادرته فندق
فيكتوريا في دمشق بعد مقابلة اللنبي في
أكتوبر (تشرين الأول) عام ١٩١٨
27
وفي أكتوبر (تشرين الأول) ١٩١٥ ، أرسلت ردي على رسالة الشريف
حسين، ذلك الرد الذي اعتبره المؤرخون أهم وثيقة دولية في تاريخ الحركة
القومية، واستخدمه العرب للتدليل على أننا لم نحفظ عهودنا معهم.
بدأت رسالتي بأن أكدت للشريف حسين أن بريطانيا ترغب في بحث
مسالة الحدود، وأن حكومتي تتعهد بأن تعترف باستقلال العرب في المنطقة
التي حددها الشريف، باستثناء أجزاء معينة من آسيا الصغرى والشام، وأنها
تتعهد – أيضا – بأن تدعم استقلال هذه الدول ة . وقد أشرت أيضا – في
مذكرتي للشريف حسين – إلى أربع مسائل أخرى غير مسألة الحدود:
- فقد تعهدت باسم حكومتي بأن نحمي الأماكن المقدسة من كل اعتداء
خارجي.
- وأعربت – باسمها – عن استعدادها لمساعدة العرب في إقامة نظام
حكم مناسب في المنطقة العربية التي ستستقل.
- واشترطت على العرب أن يستعينوا ببريطانيا – وحدها – في الحصول
على المستشارين والموظفين الأجانب.
مناطق تمسك الشريف حسين بأن تكون
جزءا من مملكة عربية خالصة، في حين وعدت
بريطانيا بدولة عربية مستقلة خارج هذه الحدود
تشمل العراق والشام وشبه الجزيرة العربية.
28
- واشترطت – أيضا – أن يكون لولايتي البصرة وبغداد نظام إداري
خاص.
وكنت أتوقع أن يرى الشريف حسين أننا منحنا كثيرا، لكنه فاجأني حين رد
علي في ٥ نوفمبر (تشرين الثاني) ١٩١٥ ، فقبل بعض التعديلات التي أدخلُتها
على خريطته الأولى، ورفض بعضه . وأثار مشكلة جديدة، فقد طلب أن تتعهد
بريطانيا بعدم توقيع صلح منفرد مع الألمان أو الأتراك، دون أن يكون العرب
طرفا فيه، وألا تترك العرب وحدهم – مهما تكن الأحوال – في م و اجهة جيوش
ألمانيا وتركيا معا، وأن تتعهد بالوقوف في صف العرب والدفاع عن قضيتهم في
أي مفاوضات للصلح . وقد أكدت له في ردي على رسالته الثالثة أن بريطانيا لن
ُتبرِم صلحا على أسس لا تكفل حرية الشعوب العربية.
استمرت مراسلاتي مع الشريف حسين فترة طويلة، وكان هنا ك ثماني
رسائل أساسية – من تلك المراسلات – اتفقنا فيها على شروط التحال ف . ولم
تتضمن الرسائل كثيرا من الأعمال الحربية التي وعد الشريف حسين بالقيام
بها ضد الأتراك، لكن الشريف كان يعرف أن عليه أن يستخدم جميع قوته
ونفوذه، مع حشد جميع الموارد المالية التي يستطيعه ا ليهزم تركي ا. وكان
مفهو ما – أيضا – أننا سنساعده، ونكمل النقص في موارده، سواء كانت
سلاحا أو ذخيرة أو ما ً لا.
وفي هذه الرسائل الثماني، وردت كل شروط المخالفة بينا وبين العرب،
فقد التزم الشريف بإعلان الثورة العربية، والتنديد بالأتراك علًنا، ووصفهم
بأنهم أعداء الإسلام. أما نحن، فقد تعهدنا صراحة بتعهدين واضحين:
الأول: الاعتراف بالخلافة العربية في حالة قيامها.
الثاني: الاعتراف باستقلال العرب ضمن منطقة معينة، وحماية هذا
الاستقلال.
وأعرف أن العرب لن يقبلوا عبارة الاستقلال ضمن (حدود معين ة )،
وسيسارعون ويبرزون خرائط هم، ويقدمون نصوص المراسلات التي
يزعمون أنني وافقت فيها على حدود الدولة التي وعدت بمنحها الاستقلال بعد
الحرب. ولست أريد هنا أن أدخل لي جدل حول النصوص، لأن المسألة –
منذ البداية – كانت مصالح الإمبراطورية، وهي عندي قبل أي وعد، وفوق
أي اتفاق أو تصريح.
29
إن أحدا لن يفهم معركة الحياة والموت التي كان على بريطانيا أن تدخلها،
لكي تخرج من الحرب دون أن تفقد مستعمرة من مستعمراتها أو منطقة من
مناطق نفوذها، إلا هؤلاء الذين ُقدر لهم أن يكونوا على مقربة من وزارة
الخارجية البريطانية ومن القيادة العسكرية لقوات الحلفاء مثلي.
وحين ُ خيل إلي أن كل شيء قد تم على ما يرام، نبهتني وثائق وزارة
الخارجية البريطانية إلى شيء خطي ر . ذلك أن تركيا لم تكن همنا وحدنا،
وكما جلس كتشنر يشرح لي بإفاضة أهمية أن نلعب دو را ما لتقليل فاعلية
تركيا في الحرب، كانت وزارات الخارجية في الدول الحلي فة لنا تفعل الشيء
نفسه، وتفكر في تركيا، وتحلم بأن تأخذ نصيبها فيها، وتشارك في اقتسامها
بعد الحرب.
ومنذ بداية الحرب، أخذ الروس يتحدثون عن رغبتهم في أخذ القسطنطينية
والمضايق، وطالب الفرنسيون بسوري ة . أما نحن، فقد كنا في حاجة شديدة
إلى طرق برية تتوفر لنا إذا أخ ذنا العراق. وطالب الإيطاليون بأجزاء من
آسيا الصغرى، وكان ذلك كله يدور همسا حتى لا يستخدمه الأعداء، فيثيرون
شعوب تلك البلاد على الحلفاء.
دفع الاتفاق – الذي توصلت إليه مع الشريف حسين – وزارة الخارجية
البريطانية لمحاولة جس نبض حلفائها، حتى لا يتدهور الموق ف أو تتضارب
الحقوق. واقتضت الحصافة السياسة ألا تذكر وزارة الخارجية شيئًا عن
اتفاقي مع الشريف حسين، وخاصة أمام الفرنسيين، إذ كانوا لا يكفَّون عن
القول بأن لهم حقوًقا تاريخية في بلاد الشام.
وبدأت المفاوضات حول الموضوع بين باريس ولند ن . اقتصرت في البداية على
الذي كان مستشارًا – (Marks Sykes) بريطانيا وفرنسا. وقام ماركس سايكس
لشئون الشرق الأوسط في وزارة الخارجية البريطانية بتمثيلنا في تلك المفاوضات،
.(George Picot) ومثَّل فرنسا المسيو جورج بيكو
كانت المفاوضات عسيرة وصعب ة . وكان مستحيلاً التوفيق بين ما وعد ُ ت
به العرب في رسائلي للشريف حسين، وبين ما تطالب به فرنسا بالذا ت . ولم
نكن نستطيع أن نكشف كل أوراقنا، أو نتجاهل حليفتنا فرنسا، في الظروف
الصعبة التي كانت تمر بها الحرب.
30
أصر جورج بيكو – مندوب فرنسا – خلال المفاوضات على أن بلاده
تطلب بلاد الشام بأكمله ا. ولما كانت فلسطين جزءا من الشام، فقد ألح
الفرنسيون على أن تكون من نصيبهم . وقال بيكو: "إن الفصل بين المنطقة
جغرافيا صعب، بل يكاد يكون مستحيلاً".
عارض سايكس بشدة، وأعلن أن بريطانيا تريد خليج (عكا – حيفا) ليكون
لنا منفذًا يصل العراق بالبحر المتوسط، فتتصل الأجزاء المخصصة لنا طبًقا
للاتفاقية، وقال بوضوح : "إن بريطانيا لن توافق على وجود قوات فرنسية في
فلسطين على مقربة من السويس".
وعندما تعثَّرت المفاوضات، سافر سايكس وبيكو إلى بطرسبرج ليجتمعا
بمندوب عن وزارة الخارجية الروسية، ويتفاوضا معه بشأن مطالب روسيا
القيصرية في أملاك تركيا، لكن المندوب الروسي جعل الموقف بالغ التعقيد،
فقال: "إن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية لها مدارس وأديرة ومواقع مقدسة في
أنحاء فلسطين، وخاصة في الناصرة ونابلس والخليل".
وحين انتهت المفاوضات بعد مجهود عنيف، اتفق المندوبون الثلاثة على
أن تأخذ فرنسا ال قسم الأعظم من سورية، وحصة من جنوبي الأناضول. أما
حصتنا، فقد شملت شريطًا من أقصى جنوبي سورية عبر العرا ق . وهناك
ينتشر الشريط كالمروحة ليشمل بغداد، والبصرة، وكل المنطقة الواقعة بين
خليج العرب وحدود المنطقة المخصصة لفرنسا، وهي تضم ميناءي حيفا
وعكا، وجزءا صغيرا داخل الساحل.
وكانت فلسطين هي المشكلة المعقدة التي واجهت المندوبين الثلاثة في
عكا
كاندرائية الروس في القدس
المفاوضات، فالفرنسيون يرونها من حقهم لأنها امتداد للشام، ونحن
نريدها لنحمي قناة السويس، والروس يقولون بأن لهم أماكن مقدسة فيه ا. ولم
يكن هناك حل إلا أن نشترك نحن الثلاثة فيها، فوافق المندوبون الثلاثة على
أن توضع تحت إدارة دولية.
وهكذا، انتهت المفاوضات المجهدة، ووقع سايكس، وبيكو، والمندوب
الروسي المعاهدة في سرية تامة . ولم يعرف أحد شيئًا عنها إلا من يعنيهم
الأمر في وزارات خارجية الدول الثلا ث . ومع أن الاتفاقية قد وقِّعت في ربيع
عام ١٩١٦ ، فإن أحدا لم يسمع بها إلا عندما سقط الحكم القيصري في
روسيا، وأعلن الثوار انسحابهم من الحرب، وأذاعوا نصوص الاتفاقيات
السرية التي وقعها الحلفاء خلالها، ومن بينها معاهدة (سايكس – بيكو).
وعندما انتهت الحرب، كنت عضوا في الوفد الذي مثَّ ل بريطانيا في
مؤتمر الصلح، وسمعتُ العرب وهم يهاجموننا، ويتهموننا بالخديعة والكذب
والنفاق، لأني وعدت الشريف حسين بأن يستقل بدولة تضم الجزيرة العربية
والشام والعراق، مقابل مساندتهم لنا في الحرب، في الوقت الذي كان سايكس
يتفاوض مع بيكو، ويوافق على منح الشام ل فرنسا. وما كاد سايكس ينتهي من
ذلك، حتى شارك في المفاوضات التي انتهت بصدور وعد بلفور الذي أقر
بحقِّ اليهود في أن يأخذوا فلسطين.
32
وإبان انعقاد مؤتمر الصلح، قال لي أحد الساسة العرب : "كيف تعطي
بريطانيا ثلاثة وعود متناقضة في ثلاثة أعوام؟".
لم أرد. كن ُ ت أثق بأنه لن يفهم . كانت الإمبراطورية البريطانية في خطر، وقد
عِشْ ُ ت حياتي أدافع عنها، وأحلم بالعلم البريطاني وهو يرفرف فوق
مستعمراتها. ولم أكن مستعدا لأن أقطع على نفسي وعدا ينتهي بأن نخسر
أر ضا كسبناها بالقتال . ولولا أننا فعلنا ما فعلناه لَقضى علينا حلفاؤن ا
الفرنسيون، إذا لم يهزمنا أعداؤنا الأتراك والألمان.
عندما طال صمتي، قال الزعيم العربي دهشً ا: "ماذا تتوقع أن يقول
المؤرخون عنكم؟".
بهدوء قلت: "أفضل أن يقولو ا: هذا رجل خدم الإمبراطورية، على أن
يقولوا هذا رجل منح العرب استقلالهم".
نطقة تحت النفوذ البريطاني
منطقة تحت النفوذ الفرنسي
منطقة تحت النفوذ الدولي
خريطة تبين مناطق النفوذ التي
حددتها اتفاقية سايكس - بيكو
التسميات:
وعد بلفور
بقلم مال وسياسة اون لاين
مدونة ضد النظام العالمي الجديد الماسونية المتنورين والجمعيات السرية وكشف مخططات الدجال وكشف خبايا فتن اخر الزمان وعلامات الساعة وكشف حقيقة الاقتصاد العالمى ونهتم بكشف خبايا الكون| روابط هذه التدوينة قابلة للنسخ واللصق | |
| URL | |
| HTML | |
| BBCode | |
قد يهمك أيضا :
وعد بلفور
شاهد ايضا
-
يرسل نيك بوستروم رسالةً مختلطةً مضبوطة بدقة. إن الاحترام الذي يحظى به كفيلسوف تحليلي لا غبار عليه؛ لذا يأخذ جمهوره ما يقوله بجدية شديد...
-
اكتشاف المجرات منذ قرنين ونصف القرن، قبل أن يبني الفلكي الإنجليزي سير ويليام هيرشل أول تلسكوب كبير عملي، كان الكون المعروف يتألف من لا...
-
قيل له إنهم ماتوا وهم يضحكون. وضع فينسنت زيجاس هذه الحقيقة المستبعدة في اعتباره وهو يكتب في دفتر يومياته تحت ضوء المصباح المتقطع ويبقي ...
-
سالي باليوناس هي الطبيبة المختصة بمتابعة حالة الشمس. هي تعلم أنه حين المغناطيسي « التنفس » تعطس الشمس تعتل الأرض، وهي تقيس نبض الضوء و ...
-
لمجرة درب التبانة مليارات من الحكايات، وليس منها ما هو قليل الشأن كي يُغفل. فكِّر في التالي: حكاية ذرة كربون؛ فبين مليارات النجوم والكو...
-
ليس في هذه الصخرة ما يغري بالنظر إليها؛ فهي تكوين رسوبي حُبيبي الملمس ذو لون رمادي باهت، ولا تزيد في حجمها عن ثمرة البطاطس. هي واحدة من...
-
دولة أوروبية كُبْرَى تغزو دولة مجاورة ذات سيادة، وتستولي عليها، وتقصف مواطنيها بالقنابل، وتقتحمها بدباباتها دون رادع. سفينة حربية تابع...
-
كوكب الأرض كوكب غريب غير مألوف. منطقة الأركان الأربعة بولاية نيومكسيكو مثلًا هي مستنقع يقع على حافة بحر ضحل يمتد جنوبًا عبر ولاية تكساس...
-
تفتيت الدول العربية خلال عشر سنوات الطائفية والعرقية والأقليات وقود الاستعمار الجديد تقسيم وظيفي يبقى على هياكل الدول ويفرض النفوذ الاج...



0 التعليقات:
Post a Comment