حقيقة المؤامرة وعد بلفور
الزيارات:

Mahmoud | 4:51:00 AM |
ثلاثة وسبعون عا  ما مضت على صدور  و  عد بلفور.
وعبارة وعد بلفور ُت َ طلق على الرسالة التي و  جهها اللورد آرثر جيمس بلفور وزير خارجية بريطانيا يوم
٢ نوفمبر (تشرين الثاني) عام ١٩١٧ ، إلى البارون ليونيل فالتر روتشيلد ؛ يعلن فيها أن الحكومة البريطانية
تتعهد بأن تساعد اليهود على إقامة وطن قومي لهم في فلسطين.
لم يح َ ظ تصريح سياسي في تاريخ العرب الحديث بمثل الشهرة التي حظي بها هذا التصريح الذي يطلق
عليه الجميع اليوم وعد بلفور.
ومنذ صدور هذا الوعد، وبرغم مرور أكثر من سبعين ع اما على ذلك التاريخ؛ فإن يوم ٢ نوفمبر (تشرين
الثاني) من كل عام – أصبح موعدا؛ تعلن فيه الجماهير – العربية عامة والفلسطينية خاصة – عن احتجاجها
وغضبها ورفضها لهذا الوعد الذي كان له الدور الأساسي في اغتصاب الصهاينة لأرض فلسطين وتهجير
الآلاف من اليهود إليها، ثم فيما بعد إعلان الدولة اليهودية على قسم كبير من ترابها.
وقد أطلقت على هذا الوعد صفات كثيرة؛ شاعت كلها تقريبا، وأشهرها بالطبع هو الوعد المشئوم، والوعد
ممن لا يملك لمن لا يستحق . وترسخ في أذهان الأجيال المعنَى الحقيقي لوعد بلفور؛ باعتباره أول تصريح
رسمي من دولة عظمى – في ذلك الوقت – يضمن للصهاينة إقامة كيانهم الخاص على أرض فلسطي ن . وبهذا
المعنَى، فقد كان أيضا أول تصريح رسمي دولي يعلن اغتصاب قطعة من أرض الوطن العربي وتسليمها
للمغتصبين الصهاينة. فالرسالة الوعد تضمنت ذكرى الوطن القومي لليهود، ولم تتضمن أي ح د يث عن
فلسطين كوطن وكشعب، وإنما اكتفت – بسبب مقاومة بعض المعارضين في الوزارة البريطانية – بالإعلان
أن ذلك يتم دون الإضرار بمصالح أهل البلاد.
ولقد جاء صدور وعد بلفور بعد عشرين عاما من النشاط الصهيوني المنظم الدءوب الذي بدأه هرتزل من
أجل إقامة دولة يهودية . وما تزال كتب تاريخ كثيرة ُترجِع صدور هذا الوعد إلى ذلك النشاط الصهيوني، لكن
الحقيقة التي تتضح من قراءة التاريخ وأحداثه تبين أن نية الدول الاستعمارية على تفتيت الإمبراطورية
العثمانية؛ كانت سابقة بكثير على بدء النشاط الصيهوني، وأن مخطط اقتطاع فلسطين، وإسكا ن

يهود أوربا فيها مخطط قديم نادى به نابليون نفسه؛ وقت غزوه للشرق، كما نادى به كثيرون غيره من قبل
ومن بعد.
إن وعد بلفور نفسه أعلِن في ٢ نوفمبر (تشرين الثاني) ١٩١٧ ؛ فتصور الناس وبعض المؤرخين أنه
صدر بسبب براعة الصهاينة وإصرارهم على هذا الوعد، أو كم ا يقال – أحياًنا – بمبادلة مباشرة بين حاييم
وايزمن العالم الكيميائي الروسي اليهودي وبين القيادة البريطانية؛ لخشيتها أن يسلم خصومها في الحرب
العالمية الأوَلى سر صناعة نوع من المتفجرات التي تنفجر تحت الما ء . وقد حرصت الكتابات الصهيونية
والاستعمارية على ترويج هذا الجانب من الحكاية، بحيث تختفي النية المبيتة المستبقة لتقسيم المنطقة العربية
بعد انسحاب الحكم التركي، وبحيث يبدو الوعد؛ وكأنه يلبي حاجة إنسانية لليهود المضطهدين في أوربا.
والحقيقة التي ظهرت بعد ذلك؛ وإن كان يجري التعتيم عليها؛ هي أن الاتفاق الاس تعماري الدولي على
تقسيم منطقة الشرق العربي؛ كان قد تم بالفعل قبل إعلان وعد بلفور بعام كامل على الأقل.
ففي صيف عام ١٩١٦ ؛ التقى ماركس سايكس وجورج بيكو، مع مندوب عن الحكومة الروسية القيصرية
في القاهرة، واتفقوا على تقسيم المنطقة فيما بينهم بعد نهاية الحرب العا لمية الأوَلى. وعندما اختلفوا حول
فلسطين، اتفقوا على وضعها تحت الوصاية الدولية التي سرعان ما آلت إلى بريطانية العظمى في ذلك
الوقت، أي أن قرار تقسيم المنطقة العربية كان قد تم الاتفاق عليه في مايو ١٩١٦ ، لكن ذلك لم يعلَن إلا في
ديسمبر (كانون الأول) ١٩١٧ ، أي بعد الإعلان عن وعد بلفور . وما كان من الممكن أن يعرف الناس شيئًا
عن اتفاق سايكس – بيكو، لولا الثورة البلشفية التي أطاحت بالنظام القيصري، وأعلنت الوثائق السرية
الموجودة في وزارة الخارجية الروسية.
ولقد كشفت وثائق وزارة الخارجية البريطانية – التي أعلنت في السن و ات الأخيرة – عن مذكرة كتبها
الوزير البريطاني هربرت صموئيل في مارس (آذار) ١٩١٥ ، جاء فيه ا: "إن الإمبراطورية التركية ستنهار
في الحرب، وسيكون علينا أن نختار بين عدة احتمالات بالنسبة لمستقبل فلسطين، فإذا تركنا الأمر دون
تدخل، فسوف تضم فرنسا فلسطين إلى الشام، فيصبح هناك خطر يتهدد المصالح البريطاني ة . والاحتمال الثاني
أن تعود فلسطين إلى تركي ا... أما الاحتمال الثالث، فهو أن توضع تحت حماية عدد من الدول الأوربية، وهو
احتمال خطر، لأن ألمانيا ستستغل ذلك لتجعل فلسطين محمية ألمانية، ولن يبَقى س  وى إعطاء فلسطين لليه و د،
بشرط أن تصبح الحماية البريطانية أو ً لا".
كذلك يذكر حاييم وايزمن – في مذكراته – أن مارك سايكس، وهو نفسه الذي عقد اتفاق سايكس – بيكو
لتقسيم مناطق النفوذ مع زميله الفرنسي، وكان مستشارا بوزارة الخارجية البريطانية، هو الذي نصح
الصهاينة بأن يغيروا صياغة البي ان الذي قدموه إلى الوزارة البريطانية وألا يض منوه أي تفاصيل، وذلك لكي
يمكن أن يمر في وجه المعارضة داخل مجلس الوزراء البريطاني، أي أن سايكس الذي صنع اتفاق تقسيم
مناطق النفوذ هو نفسه سايكس الذي اقترح صياغة وعد بلفور.

معنَى ذلك أن الأساطير التي يروجها الكتاب الصهاينة – الآن – عن دور قياداتهم في إقامة الكيان
الصهيوني على أرض فلسطين هي أكاذيب أو أوهام، فالواقع أن الدول الاستعمارية الأوربية التي عانت
قروًنا من قوة الإمبراطورية العثمانية، وقدرت مسبقا خطر قيام دولة عربية واحدة، هذه الدول الاستعمارية
كانت قد عقدت العزم – منذ زمن – على تقسيم المنطقة العربية، وعلى زرع كيان أجنبي غريب فيها يضمن
بقاءها مقسمة، ويشكل قاعدة مضمونة للنفوذ الغربي في المنطقة كله ا. وبغض النظر عما إذا كان قادة
الصهيونية الأُ  ول كانوا عملاء مباشرين لهذه القوى الاستعمارية أو أنهم كانو ا يتصورون أنهم مستقلون في
حركتهم، فقد كانوا – في كل الأحوال – ألعوبة في يد القوى العظمى.
ومعَنى ذلك – أي  ضا – أن وعد بلفور لم يصدر إرضاء لليهود، ولا تحت ضغط الصهاينة، إنما صدر تطبيقًا
لاتفاق دولي بين الدول الاستعمارية . وقد حرصت الوزارة البريطانية على أن تحصل على موافقة الولايات
المتحدة الأمريكية على هذه الخطوة قبل إعلانها، فوافقت كما سبق أن وافقت على الاتفاق – الذي عقدته بريطانيا
وفرنسا لتقسيم بلاد الإمبراطورية العثمانية – المعروف باسم اتفاق سايكس – بيكو.
لكن وعد بلفور هذا كان أكثر من تصريح، فلقد صدر عن ا لقوة العظمى التي كانت فلسطين من نصيبها
في مخطط التقسيم الاستعماري، وقد توّلت بريطانيا سلطة الحماية على فلسطين التي عرفت بسلطة الانتداب،
وبذلك أصبح لهذا الوعد الذي لا يزيد على المائة كلمة – قوة  مؤَسسية نافذة، بحيث يمكن القول بأن الكيان
الصهيوني قد ولِد في ذلك اليوم واقعيا، وإن لم يعلن عنه رسميا إلا في عام ١٩٤٨ ، بعد ثلاثين عا  ما من
القمع المتواصل لجهاد الأمة العربية عامة والشعب الفلسطيني خاصة دفاعا عن فلسطين، وبعد حرب عالمية
ثانية حارب فيها الصهاينة إلى جانب الحلفاء الذين كانت بريطانيا من بينهم وأمريكا على رأسهم.
ومع أن الإعلان عن قيام الدولة الصهيونية كان بمثابة التفسير الأقصى لكلمات وعد بلفور الذي تضمن
الحديث عنها دون إعلانها، فإن رعاية الكيان الدخيل انتقلت مع انتقال مركز القيادة الاستعماري من بريطانيا
العظمى إلى الولايات المتحدة الأمريكية . ولقد صدرت بعد وعد بلفور تصريحات شتَّى، سواء من جانب
الحلفاء الغربيين مجتمعين، أو من جانب الدولة الأكبر فيما بينه م . وتطورت هذه التصريحات من وعد بقيام
وطن قومي لليهود إلى وعود وعهود بحماية وجود الكيان الصهيوني، وضمان تفوقه العسكري على مجموع
الدول العربية المحيط ة. ومع أهمية كل هذه التصريحات، فإن الناس والمؤرخين لا يزالون يعتبرون وعد
بلفور هو أهمها باعتباره الإعلان الأول عن قيام ذلك الكيان الدخيل.
وهذا الكتاب يحكي قصة صدور ذلك الوعد من وجهة نظر ممثلين لأطرافه المتعددين:
الطرف البريطاني الذي توّلى إعداد الساحة ا لعربية لكي تنفذ فيها خطة التقسيم الاستعماري ة . آرثر


هنري مكماهون المعتمد البريطاني في القاهرة في تلك السنوات الحاسمة في تاريخ الدولة العثمانية، هو
الذي توّلى مشاغلة، وخديعة الشريف حسين أمير مكة وقائد الثورة العربية الكبرى، في ذلك الوقت.
لم يتردد مكم اهون عن التعهد بإقامة دولة عربية واحدة بعد نهاية الحرب العالمية الأوَلى وهزيمة تركيا،
وتلك كانت أمنية العرب جميعا وما زالت.
مكماهون يحكي قصة اتصالاته بالشريف حسين، وكذلك معرفته بالاتصالات البريطانية الفرنسية لتقسيم
المنطقة في الوقت نفسه.. هو إذن مخادع عن قصد وسبق إصرار.
وشهادة مكماهون الذي كان يعرف مسبًقا ما سيجري، تختلف عن شهادة إدوين مونتاجو الوزير البريطاني
اليهودي العقيدة، والذي عارض بشدة صدور أي وعد يضمن إقامة دولة صهيونية في فلسطين، لكن الوزراء
البريطانيين الآخرين، ولم يكونوا يهودا، استطاعوا إرضاءه بتغيير بعض الكلمات في البيان، وهو تغيير لم
يقطع الطريق على إقامة الكيان الصهيوني، وإن كان البيان لا ينص عليه صراحة.
مونتاجو، وزير الهند في الوزارة البريطانية، أي ممثل الاستعمار البريطاني في تلك القارة، لم يستطع أن
يكتم مخاوفه التي شعر بها بوصفه يهوديا، ر أى في قيام دولة يهودية بداية لمشكلة تهدد مستقبل كل يهود
العالم، إ ْ ذ تشكك في ولائهم لأوطانهم الأصلية، وكذلك تخلق (جيتو) عالميا لليهود، محاطًا بالعداء الأبدي.
هو – إذن – نقيض مكماهون الذي أخفَى ما يقوم به ونجح، في حين صرح – مونتاجو – بما يخشاه
وفشل في منع حدوثه.
الشهادتان الأخريان لِنقيضين آخرين : هما حاييم وايزمن الذي أصبح – فيما بعد – أول رئيس للدولة
الصهيونية، والذي لعب الدور الأساسي في الاتصالات مع الحكومة البريطانية، وكان كما يقول هو – في
مذكراته – يرتدي قناعا لكل مناسبة، أي هو يكذب في سبيل تحقيق أه د افه. والشاهد الثاني نقيض وايزمن هو
الشريف حسين بن علي الذي دفعته أحلامه وطموحاته ومعاناة أسرته من القمع التركي إلى أن يتوّلى قيادة
القوى العربية المناهضة للحكم التركي، فالتَقى في هذا الطريق  عد  وا آخر للأتراك هو الحكومة البريطانية
التي كانت قواتها تحتل مصر والهند في ذلك الوقت، وتطمع في توسيع رقعة نفوذها في الشرق، وتعمل على
تحطيم الدولة العثمانية، وتقسيم المنطقة إلى دول ودويلات ... وإذا أخفت بريطانية مخططاتها، وقدر الشريف
حسين أن زوال الحكم التركي يمكن أن يفتح الباب أمام قيام دولة عربية، بل وخلافة إسلام ية عربية أيضا،
فقد وَقع الشريف حسين في شباك الخديعة التي نصبها له مكماهون بوعود كاذبة وخديعة مقصودة.
أما الشهادة الخامسة، فهي شهادة فلسطين التي كانت الضحية الأولى لوعد بلفور، ولمخطط التقسيم
الاستعماري. ولئن كان الشهود الآخرون قد رحلوا من الدنيا واستمرت أع م الهم وآثارها، فإن فلسطين ما تزال
باقية بشعبها، برغم كل محاولات الإذابة والتهويد والتشريد.
وما يزال الشعب العربي الفلسطيني يسجل كل يوم جديدا في شهادته حول وعد بلفور، وستظل شهادة
الشعب العربي الفلسطيني هذه يرويها الشهيد تلو الشهيد حتى يسقَط الكيان الصهيون ي ، ويدفع وعد بلفور
وآثاره إلى إحدى صفحات التاريخ الماضي، كما سبق أن فعلت الأمة العربية بكل تاريخ غزاتها.

ولئن كانت الشهادات الأربع الأوَلى – في هذا الكتاب – تدور حول وعد بلفور والظروف التي صدر فيها،
وما سبقه ولحقه من مؤامرات استعمارية على الأمة العربية كله ا وعلى فلسطين بخاصة، فإن الشهادة
الفلسطينية تدور حول مواجهة هذا الوعد المؤامرة، وهي مواجهة لا تزال مستمرة، وشهادة يكتبها آلاف
الشهداء بدمائهم.. ويكفي أنه عبر أكثر من سبعين عاما لم يتوقف الشعب العربي الفلسطيني، والأمة العربية
كلها عن التذكير بوعد بلفور وآ ثاره، لكي لا ين  سى أحد أن اغتصاب فلسطين وتشريد أهلها إنما هو اغتصاب
فلسطين وترشيد أهلها إنما هو اغتصاب لجزء من الوطن العربي وتشتيت لصفوف الأمة العربية.
ولقد تحول يوم الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) من يوم ذكرى وعد بلفور – الذي يحتفل به الصهاينة
ويتظاهر فيه العرب احتجا  جا – إلى يوم يخاف فيه الصهاينة ويستنفرون قواتهم استعدادا للشكل الجديد من
الاحتفال العربي بهذا اليوم.. الثورة.. وبالثورة يتم دفن وعد بلفور ومرتباته كلها.

0 التعليقات:

Post a Comment

شاهد ايضا